
متلازمة المحتال: لماذا يشكّ الأكفاء في استحقاقهم للنجاح؟
بقلم: مراد ابن المبارك – باحث في علم النفس والكوتشينج
قد يحقق الإنسان نجاحاً واضحاً، ويحصل على تقدير الآخرين، ثم يسمع في داخله صوتاً خفياً يقول:
«لقد كنت محظوظاً فقط… قريباً سيكتشفون أنني لست بالكفاءة التي يظنونها».
هذا الشعور يُعرف بـمتلازمة المحتال؛ وهي تجربة نفسية تجعل الفرد عاجزاً عن الاعتراف بكفاءته، رغم وجود أدلة واقعية على نجاحه. وهي ليست اضطراباً نفسياً مستقلاً، بل نمط من التفكير قد يظهر لدى الطلبة والمهنيين والمدربين والقادة، خصوصاً في المراحل الجديدة أو البيئات شديدة التنافس.
لماذا يقع الأكفاء في هذا الفخ؟
لأنهم غالباً أكثر وعياً بما لا يعرفونه، وأكثر ميلاً إلى مراجعة أنفسهم. وكلما اتسعت خبرتهم، أدركوا اتساع المجال الذي لم يتقنوه بعد. لكن العقل قد يفسّر هذا الوعي بوصفه نقصاً في الكفاءة، لا دليلاً على النضج والتواضع العلمي.
وتزداد متلازمة المحتال مع:
السعي المفرط إلى الكمال.
مقارنة الذات بالآخرين.
الخوف من ارتكاب الأخطاء.
الانتقال إلى منصب أو مسؤولية جديدة.
التقليل من الإنجازات ونسبها إلى الحظ.
ربط القيمة الشخصية بالأداء والنتائج.
الحلقة الخفية لمتلازمة المحتال
تبدأ الحلقة بمهمة جديدة تثير الخوف من الفشل، فيستجيب الشخص إما بالتسويف وإما بالعمل المرهق والمبالغ فيه. وعندما ينجح، لا ينسب النتيجة إلى قدراته، بل إلى الحظ أو الجهد الاستثنائي، فيبقى اعتقاده القديم كما هو: «أنا لست مؤهلاً بما يكفي».
وهكذا يتحول كل نجاح إلى اختبار جديد، بدلاً من أن يصبح دليلاً على الكفاءة.
كيف يساعد الكوتشينج على تجاوزها؟
لا يهدف الكوتشينج إلى إلغاء الشك نهائياً، بل إلى منع الشك من قيادة القرارات. ويمكن للكوتش مساعدة المستفيد من خلال:
1. فصل المشاعر عن الحقائق: الشعور بعدم الكفاءة لا يعني غيابها.
2. توثيق الإنجازات: إنشاء سجل يتضمن النجاحات والمهارات والتغذية الراجعة الإيجابية.
3. إعادة تعريف الكفاءة: الكفاءة لا تعني معرفة كل شيء، بل القدرة على التعلم والتكيف وطلب الدعم.
4. مراجعة الحوار الداخلي: استبدال عبارة «أنا لا أستحق» بسؤال: «ما الأدلة الواقعية التي تثبت أنني قادر؟»
5. تقبّل الخطأ: الخطأ تجربة تعلم، وليس فضيحة تكشف عدم الاستحقاق.
6. الاحتفاء بالتقدم: الاعتراف بالجهد والمهارة بدلاً من اختزال النجاح في الحظ.
أسئلة كوتشينجية كاشفة
ما الإنجاز الذي تقلّل من قيمته رغم أنه تطلّب منك مهارة حقيقية؟
ما الدليل الموضوعي على أنك غير مؤهل؟
كيف ستقيّم شخصاً آخر حقق النتائج نفسها التي حققتها؟
ما المعايير المستحيلة التي تفرضها على نفسك؟
ماذا ستفعل لو لم تكن مطالباً بإثبات جدارتك في كل مرة؟
لست محتالاً… بل إنسان يتطور
قد لا يكون الشك دليلاً على ضعفك، بل نتيجة لارتفاع توقعاتك من نفسك. المشكلة ليست في أن تسأل: «هل أنا مستعد؟»، بل في أن تجعل الإجابة دائماً: «لا»، مهما كانت إنجازاتك.
النجاح لا يحتاج إلى شعور كامل بالثقة قبل البدء. أحياناً تتكوّن الثقة بعد أن نتحرك، ونتعلم، ونكتشف أن المكان الذي وصلنا إليه لم يكن صدفة، بل ثمرة قدرات بنيناها خطوةً بعد خطوة.
لا تنتظر أن تشعر بأنك تستحق النجاح؛ تعلّم أن ترى الأدلة التي تؤكد أنك شاركت فعلاً في صناعته.


التعليقات (0)