مِدادسجّل في المنصّة
← العودة للمقالات
👨‍👩‍👧 الأسرة والتربية 1 دقيقة قراءة 1,257 مشاهدة

أبناؤنا لا يبتعدون صدفة، نحن من ندفعهم بصمت.

جهاد الطاهري
جهاد الطاهري
مدربة معتمدة، كوتش مدرسي

      لا أحد من الآباء يستيقظ صباحا وهو ينوي أن يؤذي أبناءه. كل أب وأم يحملان في قلبيهما حبا حقيقيا، ورغبة صادقة في أن يرى أبناءهما أفضل الناس وأكثرهم نجاحا. لكن، وبين الحب والخوف والضغوط اليومية، تحدث أخطاء صغيرة تتكرر بصمت، حتى تتحول مع الوقت إلى مسافات كبيرة داخل الأسرة.

الصمت لا يولد فجأة

     في البداية، يكون الطفل ككتاب مفتوح؛ يركض، يثرثر، يشاركنا تفاصيل طعامه، يسأل عن النجوم، ويخترع قصصا لا تنتهي. يخطئ، ويبكي، ويرتمي في أحضاننا طالبا الأمان.

ثم، شيء ما يتغير…

     يخفت ذلك الحماس، يصبح الكلام مقتضبا، وتتحول الغرفة المغلقة إلى ملاذه الآمن، ويتحول قلبه إلى حصن منيع. هنا يبدأ السؤال الأكثر مرارة في حياة أي مرب: لماذا ابتعدوا؟

الحقيقة المؤلمة أن الأبناء لا يرحلون فجأة؛ هم ينسحبون بالتدريج. يبتعدون مع كل نظرة سخرية استهانت بمشاعرهم، ومع كل مقارنة ظالمة جرحت كبرياءهم، ومع كل عبارة قاسية قيلت في لحظة غضب وظننا أن الأيام ستمحوها.

حين يسمع الطفل كلمات مثل: « أنت لا تفهم« ، « انظر إلى ابن عمك« ، أو « أنت مخيب للآمال« ، لا يصل إليه النقد البناء، بل تصل إليه رسالة واحدة مدمرة: « أنت غير جدير بالحب إلا إذا كنت كاملا« .

فخ البيوت الآمنة ماديا، الباردة عاطفيا

     في دوامة السعي لتأمين المستقبل، نبرع في تقديم  » الخدمات« : طعام فاخر، ملابس أنيقة، ومدارس متميزة. لكننا ننسى أن الأبناء لا يعيشون بالخبز وحده. إنهم بحاجة إلى  » الوجود الملتفت« ؛ يحتاجون نظرة عين تلتقي بأعينهم دون تشتت بالهاتف، ودقيقة إنصات حقيقية دون إطلاق أحكام أو تقديم مواعظ جاهزة. دقيقة واحدة من الاحتواء الصادق تعادل لديهم أثمن هدايا العالم.

يعتقد البعض أن القسوة تصنع رجالا وشخصيات قوية، والواقع يثبت أنها لا تصنع سوى قلوب خائفة، أو نفوس متمردة، أو شخصيات مشوهة تعجز عن التعبير عن مشاعرها عندما تكبر.

التربية علاقة، وليست معركة

     إن أبناءنا لا يبحثون عن « آباء خارقين » أو بيوت مثالية بلا أخطاء. هم يحتاجون فقط إلى:

  • بيئة آمنة: لا يشعرون فيها أن الخطأ خطيئة عقابها الطرد الوجداني.
  • شجاعة الاعتذار: أن يرى الطفل والده يعتذر إن أخطأ، فيتعلم منه النبل والمسؤولية.
  • حب غير مشروط: حب لا يرتبط بتقدير دراسي، أو إنجاز رياضي.

     التربية ليست لائحة قوانين، ولا ساحة حرب لإثبات من الأقوى؛ التربية في جوهرها علاقة إنسانية دافئة تبنى بالكلمة الطيبة، والإنصات الصادق، واللمسة الحانية.

أخيرا، قف مع نفسك دقيقة وامنحها هذا السؤال الصادق:  هل يخاف أبناؤك منك؟ أم يشعرون بالأمان معك؟

تذكر دائما: الطفل الذي يرتوي بالحب والقبول داخل بيته، لن يبحث عن الدفء في الصقيع الخارجي أبدا.



كتب لك
جهاد الطاهري
مدربة معتمدة، كوتش مدرسي

أعجبك ما قرأت؟ احصل على مرافقة شخصية معه — جلسة استشارة 1:1 مخصّصة لحالتك.

استلم أفضل المقالات أسبوعياً

انضم لقرّاء النشرة الأسبوعية — مقالات مختارة بعناية في التعليم والتوجيه. بدون إزعاج، يمكنك الإلغاء في أي وقت.

بريدك آمن — لن نشارك معلوماتك مع أي طرف ثالث.

اقرأ أيضاً

شارك المقال: فيسبوك تويتر
🎓

أعجبك هذا المقال؟

انضم لمجتمع CoachLab — مجتمع المهنيّين التربويّين في المغرب.
مجّاناً تماماً — اطّلع على المزيد من المقالات والمحاضرات والاستشارات.

مكتبة مقالات
محاضرات أسبوعيّة
شبكة مهنيّين
⚡ التسجيل يأخذ أقلّ من 30 ثانية · لا بطاقة بنكيّة مطلوبة
مقالات ذات صلة
⭐ تقييم المقال:
🔑 سجّل دخولك للتقييم
5/5 (27 تقييم)

التعليقات (5)

Hassan 25/05/2026
👍👍👍
جميلة السماحي 25/05/2026
مقال في الصميم.
Khadija bnouara 25/05/2026
كلمات رائعة من مدربة رائعة بطبعها وأخلاقها🥰
شيماء الحسيني 25/05/2026
👍👍👍👍
Ahmed 25/05/2026
T.B👍
جاري التحضير...
يرجى الانتظار، نُحضّر صفحة تسجيل الدخول