
عجلة الحياة: هل تعكس توازنك أم تخفي أولوياتك؟
تأليف: ابن المبارك – كوتش وباحث في علم النفس
تُعدّ «عجلة الحياة» من أشهر أدوات الكوتشينج؛ فهي تساعد الإنسان على تقييم مستوى رضاه عن مجالات مثل الصحة، والأسرة، والعمل، والعلاقات، والمال، والتطور الشخصي. لكن المشكلة تبدأ عندما نتعامل معها باعتبارها اختباراً يمنحنا صورة نهائية عن حياتنا، لا مدخلاً لفهمها.
فهل تعني العجلة المتوازنة أن حياتنا تسير فعلاً في الاتجاه الصحيح؟
التوازن ليس مساواة حسابية
لا يحتاج الإنسان إلى منح كل مجالات حياته الوقت والجهد نفسيهما. فالطالب في سنة دراسية حاسمة قد يمنح الدراسة مساحة أكبر، والأب الذي يمر أحد أبنائه بأزمة قد يجعل الأسرة أولويته، ومن يعاني مشكلة صحية قد يضع التعافي قبل الإنجاز المهني.
لذلك، لا يعني التوازن أن تحصل جميع المجالات على الدرجة نفسها، بل أن تنسجم طريقة توزيع وقتك وطاقتك مع احتياجات مرحلتك وقيمك الحقيقية.
حين تخفي العجلة أولوياتنا
قد يمنح شخص مجال العمل تسع درجات لأنه ناجح مهنياً، بينما تمنحه صحته أو علاقاته ثلاث درجات فقط. يبدو الخلل واضحاً، لكن السؤال الأعمق ليس: «كيف أرفع جميع الدرجات؟» بل:
لماذا أصبح العمل مهيمناً إلى هذا الحد؟
قد يكون النجاح المهني اختياراً واعياً، وقد يكون هروباً من فراغ عاطفي، أو محاولة مستمرة لإثبات الذات، أو استجابة لتوقعات الآخرين. هنا لا تكشف العجلة مقدار الرضا فقط، بل تفتح الباب أمام فهم الدوافع الخفية التي تنظّم حياتنا.
ثلاثة أسئلة بعد رسم العجلة
بعد تقييم مجالات حياتك من صفر إلى عشر، لا تتسرع في وضع خطة للتغيير. توقف أولاً واسأل نفسك:
1. ما المجال الذي يحصل على معظم وقتي رغم أنه ليس أهم ما أقدّره؟
2. ما المجال الذي أقول إنه مهم، لكن سلوكي اليومي لا يعكس ذلك؟
3. إذا استمرت حياتي بهذه الصورة عاماً كاملاً، فما أكثر شيء قد أندم على إهماله؟
هذه الأسئلة تنقل التمرين من مجرد أرقام إلى مواجهة صادقة بين ما نعلنه من أولويات وما نمارسه فعلياً.
من التقييم إلى خطوة واقعية
اختر مجالاً واحداً فقط يحتاج إلى الاهتمام، ثم حدّد له خطوة صغيرة قابلة للتنفيذ خلال الأسبوع. فقد تكون مكالمة مع شخص ابتعدت عنه، أو موعداً طبياً مؤجلاً، أو نصف ساعة يومية للراحة، أو مراجعة قرار مهني لم يعد ينسجم معك.
لا تحاول إصلاح العجلة كلها دفعة واحدة؛ فالتغيير المستدام يبدأ غالباً بخطوة محددة تُعاد بانتظام.
الخلاصة
عجلة الحياة ليست أداة لصناعة حياة مثالية، بل مرآة تساعدنا على رؤية الطريقة التي نعيش بها بالفعل. وقد لا يكون السؤال الأهم: هل حياتي متوازنة؟ بل:
هل تعكس اختياراتي اليومية ما أعتبره مهماً حقاً؟
فالتوازن الحقيقي لا يعني أن تمنح كل شيء المقدار نفسه، وإنما أن تمنح كل جانب ما يستحقه في المرحلة التي تعيشها، بوعي واختيار.


التعليقات (0)