مِدادسجّل في المنصّة
← العودة للمقالات
👨‍👩‍👧 الأسرة والتربية 1 دقيقة قراءة 616 مشاهدة

هوس السلامة: حين تصنع الحماية المفرطة جيلاً هشّاً

Mourad Lamamar
Mourad Lamamar
كوتش مدرسي و مرافقة نفسية

 هوس السلامة: حين تصنع الحماية المفرطة جيلاً هشّاً

بقلم: مراد ابن المبارك باحث في علم النفس

تخيّل طفلاً يتعلّم ركوب الدراجة، لكن في كل مرة يختل فيها توازنه تمتد يدٌ لتمنعه من السقوط، وقبل أن يخطئ في استخدام المكابح يسمع صوتاً يحذّره من الاصطدام. قد يبدو هذا السلوك حمايةً واهتماماً، لكن السؤال الأهم هو: هل سيتعلّم الطفل فعلاً كيف يحافظ على توازنه؟

يختصر هذا المشهد ما يُعرف في علم النفس المعاصر بمفهوم «هوس السلامة» (Safetyism)؛ وهو الميل إلى جعل السلامة الجسدية والنفسية قيمة مطلقة، والنظر إلى كل انزعاج أو فشل أو خلاف على أنه خطر ينبغي منعه، حتى عندما يكون جزءاً طبيعياً من التعلم والنضج.

عندما يتدخل الآباء والمربّون لحل كل مشكلة، ويزيلون العقبات من طريق الطفل، ويحاولون حمايته من النقد والإحباط والاختلاف، فإنهم يقدّمون له رسالة غير مباشرة مفادها: «أنت غير قادر على المواجهة وحدك».

وهنا تظهر المفارقة: فالحماية المفرطة لا تُنشئ بالضرورة أطفالاً أكثر أمناً، بل قد تُنتج شباباً أقل ثقة بقدراتهم، وأكثر خوفاً من الخطأ، وأشدّ قلقاً أمام التحديات. فالمرونة النفسية لا تنمو في بيئة خالية من الصعوبات، وإنما تتشكل من خلال مواجهة تحديات مناسبة للعمر، والتعلّم من الفشل، وتحمل قدر معقول من المسؤولية.

لا يعني ذلك ترك الطفل يواجه المخاطر الحقيقية أو التقليل من مشاعره، بل يعني التمييز بين الخطر الذي يستوجب الحماية والانزعاج الذي يمنح فرصة للنمو. فليس كل تعثّر تهديداً، وليس كل إحباط صدمة، وليس كل خلاف أذى نفسياً.

دور الوالد أو المربي أو الكوتش ليس إزالة جميع العقبات، وإنما توفير مساحة آمنة تسمح بالتجربة، مع حضور داعم لا يلغي استقلالية المتعلم. ويمكن تحقيق ذلك عبر:

الإنصات إلى المشاعر دون تضخيمها أو إنكارها.

طرح الأسئلة بدل تقديم الحلول الجاهزة.

السماح بارتكاب أخطاء آمنة والتعلّم من نتائجها.

منح مسؤوليات تدريجية تتناسب مع العمر والقدرات.

تعزيز الشجاعة والمحاولة، لا النتيجة المثالية فقط.

إن التربية المتوازنة لا تقول للطفل: «لن أسمح بأن يحدث لك شيء»، بل تقول له: «سأساعدك على اكتساب القوة والمهارات التي تمكّنك من مواجهة ما قد يحدث».

فالأبناء لا يحتاجون إلى طريق بلا عوائق، بل إلى بوصلة داخلية، وثقة بالنفس، وقدرة على النهوض بعد التعثّر. والحماية الحقيقية ليست في منعهم من السقوط دائماً، وإنما في تعليمهم كيف يسقطون بأمان، وكيف يفهمون التجربة، ثم يقفون من جديد أكثر وعياً وصلابة.

كتب لك
Mourad Lamamar
كوتش مدرسي و مرافقة نفسية

أعجبك ما قرأت؟ احصل على مرافقة شخصية معه — جلسة استشارة 1:1 مخصّصة لحالتك.

استلم أفضل المقالات أسبوعياً

انضم لقرّاء النشرة الأسبوعية — مقالات مختارة بعناية في التعليم والتوجيه. بدون إزعاج، يمكنك الإلغاء في أي وقت.

بريدك آمن — لن نشارك معلوماتك مع أي طرف ثالث.

اقرأ أيضاً

شارك المقال: فيسبوك تويتر
🎓

أعجبك هذا المقال؟

انضم لمجتمع CoachLab — مجتمع المهنيّين التربويّين في المغرب.
مجّاناً تماماً — اطّلع على المزيد من المقالات والمحاضرات والاستشارات.

مكتبة مقالات
محاضرات أسبوعيّة
شبكة مهنيّين
⚡ التسجيل يأخذ أقلّ من 30 ثانية · لا بطاقة بنكيّة مطلوبة
مقالات ذات صلة
⭐ تقييم المقال:
🔑 سجّل دخولك للتقييم
لا يوجد تقييم بعد · كن الأول!

التعليقات (0)

كن أول من يعلّق على هذه المقالة 💭
جاري التحضير...
يرجى الانتظار، نُحضّر صفحة تسجيل الدخول