MidadJoin the platform
← العودة للمقالات
🧠 الصحة النفسية والكوتشينغ 1 دقيقة قراءة 225 مشاهدة

حين يصمت التلميذ: كيف تكتشف المدرسة معاناته النفسية قبل أن تتحول إلى أزمة؟

Mourad Lamamar
Mourad Lamamar
كوتش مدرسي و مرافقة نفسية

حين يصمت التلميذ: كيف تكتشف المدرسة معاناته النفسية قبل أن تتحول إلى أزمة؟

بقلم: مراد بن المبارك – أستاذ وباحث في علم النفس وكوتش مدرسي
قد يدخل التلميذ إلى القسم كل صباح، يجلس في مكانه المعتاد، يفتح كتابه حين يُطلب منه ذلك، ثم يغادر دون أن يثير انتباه أحد. يبدو هادئًا، لكنه في داخله قد يخوض معركة لا يعرف كيف يصفها. وقد يظهر تلميذ آخر في صورة المشاغب الذي يرفض التعليمات، ويستفز زملاءه، ويتراجع مستواه فجأة؛ فتعاقبه المدرسة على سلوكه، بينما لم يسأله أحد: ما الذي حدث لك؟
ليست كل معاناة نفسية صاخبة، ولا يملك كل طفل أو مراهق اللغة التي تمكّنه من القول: «أنا خائف»، أو «أشعر بأنني بلا قيمة»، أو «لم أعد قادرًا على الاحتمال». لذلك تظهر المعاناة أحيانًا في شكل صمت، وغياب، وتراجع دراسي، وغضب، وعدوانية، وشكاوى جسدية متكررة أو تعلق مفرط بالهاتف.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو مراهق واحد من كل سبعة، بين 10 و19 سنة، يعيش مع اضطراب نفسي، وأن القلق والاكتئاب والاضطرابات السلوكية من أبرز أسباب المرض والعجز في هذه المرحلة. كما أن كثيرًا من الحالات تبقى دون تعرف أو علاج، مما يجعل الاكتشاف المبكر مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمهنيين المختصين. « منظمة الصحة العالمية » (https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/adolescent-mental-health)
المدرسة لا ترى كل شيء، لكنها ترى أشياء لا يراها الآخرون
يقضي التلميذ جزءًا كبيرًا من يومه داخل المؤسسة التعليمية، ولذلك تمتلك المدرسة فرصة ثمينة لملاحظة التغيرات التي قد لا تظهر داخل المنزل. فالمدرس يستطيع أن يلاحظ تراجع التركيز، ومسؤول الحياة المدرسية ينتبه إلى الغياب المتكرر، والحارس العام يرصد النزاعات المفاجئة، بينما قد يلاحظ الأصدقاء انسحاب زميلهم أو عباراته المقلقة.
ولا يعني ذلك أن تتحول المدرسة إلى عيادة نفسية، أو أن يقوم المدرس بتشخيص التلاميذ؛ فالتشخيص مهمة المختص المؤهل. لكن المدرسة تستطيع أن تقوم بثلاث وظائف أساسية: الملاحظة المبكرة، والإنصات الآمن، والإحالة المناسبة.
الصحة النفسية ليست شأنًا منفصلًا عن التعلم؛ فالتلميذ الذي يشعر بالخوف أو الإهانة أو اليأس قد يوجد جسديًا داخل القسم، لكن قدرته على الانتباه والتذكر والمشاركة تكون محدودة. لهذا فإن الاهتمام بصحته النفسية ليس ترفًا، بل شرط من شروط التعلم والاندماج والنجاح.
لماذا يصمت التلميذ؟
قد يصمت التلميذ لأنه لا يعرف كيف يسمّي ما يشعر به، أو لأنه يخشى السخرية وعدم التصديق. وقد يتوقع أن تُنقل أسراره فورًا إلى أسرته أو إلى الإدارة، أو أن تُستخدم ضده لاحقًا. وبعض التلاميذ تربّوا على أن التعب النفسي دليل ضعف، فيخفون آلامهم حتى عن أقرب الناس إليهم.
وقد يكون الصمت ناتجًا عن تجربة سابقة حاول فيها التلميذ الكلام، فقوبل بعبارات مثل: «أنت تبالغ»، أو «كل التلاميذ يشعرون بذلك»، أو «اهتم بدراستك فقط». عندما يُختزل الألم في نصيحة سريعة، يتعلم التلميذ أن الصمت أكثر أمانًا من الكلام.
لذلك لا يكفي أن نضع لافتة تحمل عبارة «مكتب الإنصات»؛ بل يجب أن يشعر التلميذ أن هناك بالغًا موثوقًا سيستقبله باحترام، ولن يحاكمه أو يفضحه، وسيشرح له بوضوح حدود السرية والإجراءات التي يمكن اتخاذها لحمايته.
عندما يتحدث الألم بلغة السلوك
السلوك الذي نراه ليس دائمًا المشكلة الأصلية؛ فقد يكون مجرد رسالة. التلميذ الذي أصبح عدوانيًا قد يكون ضحية تنمر. والذي ينام داخل القسم قد يعاني اضطرابًا في النوم أو ظروفًا أسرية صعبة. والذي يرفض إنجاز الواجبات قد لا يكون كسولًا، بل خائفًا من الفشل أو مقتنعًا بأنه عاجز. أما كثرة استعمال الهاتف فقد تكون أحيانًا محاولة للهروب من الوحدة أو القلق، وليست مجرد سوء انضباط.
لا يعني هذا تبرير كل سلوك مؤذٍ أو إلغاء القواعد المدرسية، بل يعني الانتقال من سؤال: «كيف نعاقبه؟» إلى سؤال أكثر مهنية: «ما الوظيفة التي يؤديها هذا السلوك، وما الذي يحاول التلميذ التعبير عنه؟»
يمكن للمدرسة أن تحافظ على حدودها التربوية وفي الوقت نفسه تبحث عن المعنى النفسي للسلوك. فنقول للتلميذ: «ما فعلته غير مقبول، وسنعمل على تصحيحه، لكنني أريد أيضًا أن أفهم ما الذي دفعك إليه». بهذه العبارة نجمع بين المسؤولية والتعاطف، فلا نبرر الأذى ولا نهمل صاحبه.
إشارات تستحق الانتباه
لا توجد علامة واحدة تثبت وجود اضطراب نفسي، كما أن بعض التغيرات قد تكون عابرة وطبيعية خلال الطفولة والمراهقة. لكن القلق يصبح أكثر جدية عندما يكون التغير جديدًا، ويستمر مدة ملحوظة، ويظهر في أكثر من سياق، ويؤثر في الدراسة أو العلاقات أو الحياة اليومية.
ومن أبرز الإشارات التي تستحق الملاحظة:
– الانسحاب المفاجئ من الأصدقاء والأنشطة التي كان التلميذ يستمتع بها.
– تراجع دراسي واضح لا تفسره صعوبة المادة وحدها.
– الغياب أو التأخر المتكرر، والبحث المستمر عن أسباب لمغادرة القسم.
– تغير ملحوظ في المزاج، مثل الحزن المستمر أو سرعة الغضب أو البكاء.
– ضعف التركيز والنسيان وكثرة الشرود.
– اضطراب النوم أو الأكل، والتعب المتكرر داخل المدرسة.
– كثرة الصداع أو آلام البطن دون تفسير طبي واضح.
– إهمال المظهر والنظافة بعد أن كان التلميذ يهتم بهما.
– العدوانية المفاجئة أو الدخول المتكرر في نزاعات.
– الخوف الشديد من الخطأ أو الامتحان أو نظرة الآخرين.
– عبارات تدل على اليأس أو انعدام القيمة أو الرغبة في الاختفاء.
– إيذاء النفس، أو الحديث المتكرر عن الموت، أو توزيع الممتلكات والوداع بطريقة غير معتادة.
– استعمال مواد مؤذية أو الإقدام على سلوكيات شديدة الخطورة.
وتذكر اليونيسف أن الانسحاب، وتغير النوم أو الأكل، والتهيج، وضعف التركيز، والأعراض الجسدية، وفقدان الاهتمام، واليأس والسلوكيات المؤذية للذات قد تكون من علامات الضيق لدى الأطفال والمراهقين، خصوصًا إذا استمرت وأثرت في قدرتهم على ممارسة حياتهم المعتادة. « اليونيسف: علامات الضيق النفسي » (https://www.unicef.org/parenting/child-care/how-to-recognize-signs-of-distress)
أربعة أسئلة تمنع التسرع في الحكم
قبل تفسير السلوك، يمكن للفريق التربوي أن يطرح أربعة أسئلة بسيطة:
ما الذي تغيّر؟
هل كان التلميذ مشاركًا ثم أصبح منعزلًا؟ هل كان منتظمًا ثم بدأ يتغيب؟ التغير المفاجئ أكثر دلالة من الصفة الثابتة.
منذ متى يستمر التغير؟
يوم سيئ لا يعني وجود أزمة، لكن استمرار التغير أو تفاقمه يستحق المتابعة.
أين يظهر؟
هل يظهر داخل مادة واحدة، أم في جميع الأقسام، أم في المنزل أيضًا؟ جمع المعطيات من مصادر متعددة يمنع الأحكام المتسرعة.
ما أثره في حياة التلميذ؟
هل منعه من التعلم أو النوم أو الأكل أو بناء العلاقات أو الشعور بالأمان؟ كلما ازداد تأثيره الوظيفي ازدادت الحاجة إلى تدخل مهني.
هذه الأسئلة لا تقدم تشخيصًا، لكنها تساعد المدرسة على الانتقال من الانطباع الشخصي إلى الملاحظة المنظمة.
كيف نفتح باب الحديث؟
البداية الجيدة لا تحتاج إلى استجواب طويل، بل إلى ملاحظة هادئة وعبارة إنسانية واضحة، مثل:
«لاحظت أنك أصبحت أكثر صمتًا خلال الأيام الأخيرة، وأن مشاركتك تراجعت. قد أكون مخطئًا، لكنني أردت أن أطمئن عليك. هل ترغب في الحديث عما يحدث؟»
هذه الصيغة مهمة لأنها تصف ما لاحظناه دون إلصاق تهمة أو تشخيص بالتلميذ. فإذا لم يرغب في الكلام، لا ينبغي الضغط عليه، بل يمكن القول:
«أحترم أنك لا تريد الحديث الآن. عندما تكون مستعدًا، ستجدني أو ستجد مسؤول الإنصات متاحًا لمساعدتك».
وعندما يبدأ التلميذ في الكلام، يحتاج إلى أن نصغي أكثر مما نتحدث. نتجنب المقاطعة، والتحقيق، والوعظ السريع، والمقارنة بالآخرين. ولا نقول: «لا تفكر هكذا»، بل نقول: «يبدو أن ما تمر به صعب، وأشكرك لأنك أخبرتني».
من الملاحظة إلى التدخل: مسار مدرسي واضح
ينبغي ألا يعتمد التعامل مع المعاناة النفسية على الاجتهادات الفردية، بل على مسار مؤسساتي معروف:
أولًا: الملاحظة والتوثيق.
تسجل السلوكيات والتغيرات بصورة موضوعية: ماذا حدث؟ متى؟ كم مرة؟ وما أثره؟ نكتب مثلًا: «غاب أربع حصص خلال أسبوعين وتوقف عن المشاركة»، بدل عبارة: «أصبح تلميذًا غير مسؤول».
ثانيًا: الإنصات الأولي.
تُجرى مقابلة قصيرة في مكان آمن يحفظ كرامة التلميذ، مع توضيح حدود السرية. فالسرية قاعدة أساسية، لكنها لا تكون مطلقة عندما توجد مؤشرات على خطر يهدد سلامة التلميذ أو سلامة غيره.
ثالثًا: تقدير مستوى الاستعجال.
يُنظر في شدة الأعراض، ومدتها، وتأثيرها، وعوامل الخطر والحماية. ولا يُبنى القرار على الحدس وحده.
رابعًا: وضع خطة دعم.
قد تشمل الخطة جلسات مرافقة قصيرة، وتكييفًا تربويًا مؤقتًا، وشخصًا مرجعيًا داخل المدرسة، ومتابعة الغياب، وتنظيم التواصل مع الأسرة، مع تحديد موعد لتقييم التقدم.
خامسًا: الإحالة عند الحاجة.
إذا تجاوزت الحالة اختصاص المؤسسة، تُحال إلى طبيب أو أخصائي نفسي أو طبيب نفسي أو جهة حماية مختصة، مع استمرار التنسيق المدرسي في حدود الموافقة والسرية.
متى يصبح التدخل عاجلًا؟
تحتاج بعض المؤشرات إلى تحرك فوري، ومنها تصريح التلميذ بأنه يريد إيذاء نفسه أو غيره، أو وجود خطة أو وسيلة لذلك، أو ظهور إصابات مرتبطة بإيذاء النفس، أو تعرضه لعنف أو اعتداء، أو فقدانه الواضح للاتصال بالواقع، أو عجزه الشديد عن حماية نفسه.
في هذه الحالات، يجب سؤال التلميذ بهدوء وبصورة مباشرة عن سلامته؛ فالسؤال عن أفكار إيذاء النفس لا يزرع الفكرة في ذهنه، بل يساعد على تقدير الخطر وفتح باب المساعدة. لا يُترك التلميذ بمفرده، ولا يُطلب منه وعد سري بعدم إيذاء نفسه، ولا تُؤجّل الاستجابة إلى اليوم التالي. يُفعّل بروتوكول الحماية المعتمد في المؤسسة، ويُبلّغ المسؤول المختص والأسرة أو الجهات المختصة بحسب طبيعة الخطر والقوانين والإجراءات المعمول بها، مع طلب الرعاية الصحية أو الطارئة عند الضرورة.
هنا لا يكون دور المدرسة تقديم علاج نفسي، بل تأمين السلامة، والاستجابة باحترام، وربط التلميذ بالخدمة المؤهلة.
التواصل مع الأسرة: شراكة لا محاكمة
قد تتحول مقابلة الأسرة إلى مصدر توتر إذا بدأت بالاتهام: «ابنكم يعاني بسببكم»، أو «أنتم لا تراقبونه». الأفضل تقديم ملاحظات محددة، ثم الاستماع إلى الأسرة:
«لاحظنا خلال الأسابيع الأخيرة تراجعًا في التركيز وكثرة الغياب وانسحابًا من زملائه. نرغب في معرفة ما إذا لاحظتم تغيرات مشابهة في المنزل، حتى نتعاون على دعمه».
ينبغي تجنب التشخيص غير المهني أو تخويف الوالدين. فالهدف ليس البحث عن مذنب، بل بناء صورة متكاملة ووضع خطة تحمي التلميذ. وقد تكون الأسرة نفسها تحت ضغط وتحتاج إلى التوجيه، لذلك فإن لغة الاحترام تزيد فرص تعاونها.
مسؤول الصحة النفسية ليس رجل إطفاء
إذا اقتصر دور مسؤول الصحة النفسية على استقبال الحالات بعد انفجارها، فإن المؤسسة ستظل تتحرك بمنطق الأزمة. أما الدور الحقيقي فيبدأ قبل ذلك، من خلال تدريب المدرسين على التقاط الإشارات، وتوفير قناة آمنة لطلب المساعدة، وتنظيم برامج الوقاية من التنمر والعنف، وتعليم التلاميذ مهارات التعبير عن المشاعر وطلب الدعم، وبناء شبكة واضحة للإحالة والمتابعة.
كما يحتاج المسؤول إلى المحافظة على حدود اختصاصه، وتوثيق تدخلاته، وحماية المعطيات الشخصية، وعدم تقديم وعود لا يستطيع تنفيذها. وتؤكد اليونيسف أهمية خلق بيئة يشعر فيها المراهق بحرية الحديث دون خوف من الحكم، مع ملاحظة العلامات المستمرة وإحالة الحالات الشديدة إلى الدعم المتخصص. « أداة اليونيسف لدعم المراهقين في حالة ضيق » (https://www.unicef.org/adolescentkit/reports/tool-supporting-adolescents-distress)
نحو مؤسسة تسمع قبل أن تعاقب
المؤسسة الآمنة نفسيًا ليست مؤسسة بلا مشكلات، بل مؤسسة تملك طريقة إنسانية ومهنية لاكتشافها والتعامل معها. إنها لا تفسر كل صمت على أنه أدب، ولا كل غضب على أنه سوء تربية، ولا كل تراجع على أنه كسل. إنها تلاحظ وتسأل وتنصت، ثم تتدخل وفق حدود واضحة.
قد لا يستطيع التلميذ أن يقول: «أنا أحتاج إلى المساعدة»، لكنه قد يقولها بطريقة أخرى: في ورقة فارغة، أو غياب متكرر، أو شجار مفاجئ، أو نوم داخل القسم، أو صمت طويل.
ومهمة المدرسة ليست أن تقرأ الأفكار، بل أن تتعلم قراءة التغيرات. فقد تبدأ حماية تلميذ من أزمة نفسية بسؤال بسيط وصادق:
«لاحظت أنك لم تعد كما كنت… هل أنت بخير حقًا؟»
وحين يشعر التلميذ أن السؤال ليس فضولًا ولا تمهيدًا للعقاب، بل دعوة آمنة للكلام، فقد تكون تلك اللحظة بداية عودته إلى نفسه، وإلى دراسته، وإلى الحياة.
Wrote to you
Mourad Lamamar
كوتش مدرسي و مرافقة نفسية

Liked what you read? Get personal coaching with them — a 1:1 consultation tailored to your case.

Get the best articles weekly

Join the weekly newsletter readers — carefully selected articles on education and guidance. No spam, unsubscribe anytime.

Your email is safe — we won't share your information with any third party.

Read also

شارك المقال: فيسبوك تويتر
🎓

أعجبك هذا المقال؟

انضم لمجتمع CoachLab — مجتمع المهنيّين التربويّين في المغرب.
مجّاناً تماماً — اطّلع على المزيد من المقالات والمحاضرات والاستشارات.

مكتبة مقالات
محاضرات أسبوعيّة
شبكة مهنيّين
⚡ التسجيل يأخذ أقلّ من 30 ثانية · لا بطاقة بنكيّة مطلوبة
مقالات ذات صلة
⭐ تقييم المقال:
🔑 سجّل دخولك للتقييم
لا يوجد تقييم بعد · كن الأول!

التعليقات (0)

كن أول من يعلّق على هذه المقالة 💭
جاري التحضير...
يرجى الانتظار، نُحضّر صفحة تسجيل الدخول