💡 لصوت أوضح على آيفون: الإعدادات إمكانية الوصول المحتوى المنطوق الأصوات العربية حمّل النسخة المحسّنة.
Coaching scolaire
كمدخل جديد لإنقاذ التلميذ المغربي: من الدعم الكلاسيكي إلى بناء المتعلم الواعي
تأثير الريلز Reels على التركيز والتحصيل الدراسي لدى التلاميذ
بين الترفيه الرقمي وصناعة “العقل المشتت”
مقدمة
في السنوات الأخيرة، تحولت منصات التواصل الاجتماعي من فضاءات للتواصل فقط إلى فضاءات للاستهلاك السريع للمحتوى، خاصة بعد انتشار الفيديوهات القصيرة مثل Instagram وTikTok وYouTube Shorts هذه المقاطع التي لا تتجاوز أحياناً 15 أو 30 ثانية أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للمراهقين والتلاميذ، حيث يقضي بعضهم ساعات طويلة في التمرير المستمر دون وعي بالوقت أو التأثيرات النفسية والمعرفية الناتجة عن ذلك. ورغم أن هذه المنصات توفر الترفيه والمعلومات السريعة، فإن عدداً متزايداً من الدراسات بدأ يربط بين الاستهلاك المكثف للفيديوهات القصيرة وبين مشاكل التركيز، التشتت الذهني، القلق، وضعف العادات الدراسية.
فما الذي يجعل الـ Reels مختلفة عن الفيديوهات العادية؟
الفيديو القصير مصمم بطريقة تعتمد على السرعة. الإثارة البصرية والمكافأة الفورية (dopamine reward) التي تعتبر آلية طبيعية في الدماغ البشري تُحفزنا للحصول على شعور ممتع أو نتيجة إيجابية بشكل سريع دون انتظار. و لكي نفهم بشكل أعمق كيف تعمل « المكافأة الفورية » هذا النظام الذي يشجيعنا على تكرار السلوكيات الضرورية للبقاء (مثل الأكل) أو السلوكيات الممتعة. فعندما نقوم بفعل ممتع وسريع، يفرز الدماغ الدوبامين، مما يجعلنا نشعر بـ « نشوة » أو « رضا » فوري. هذا الشعور يُعلم الدماغ أن هذا التصرف جيد ويجب تكراره.
الإعجابات (Likes)، التعليقات، ومشاهدة مقاطع الـ Reels القصيرة تنشط الدوبامين كأنها « علبة مفاجآت. يصبح الدماغ يفضل المكافآت السريعة على حساب الأهداف طويلة المدى التي تتطلب جهداً. وتنخفض حساسية الدماغ مع مرور الوقت ويعتاد الدماغ على مستويات عالية من الدوبامين، فيقلل إنتاجه، مما يؤدي إلى الشعور بنقص دائم في السعادة وهذا ما يطلق عليه الإدمان السلوكي.
من أخطر التأثيرات التي بدأت تظهر لدى التلاميذ كضعف القدرة على التركيز الطويل وصعوبة قراءة النصوص الطويلة وهذا ما يسرب الملل السريع أثناء الدراسة فهم بالحاجة المستمرة إلى التحفيز البصري. الدماغ يعتاد على الانتقال السريع بين المحتويات، فيصبح الدرس التقليدي “بطيئاً” بالنسبة للتلميذ. لهذا يلاحظ كثير من الأساتذة أن بعض المتعلمين لم يعودوا قادرين على متابعة شرح يتجاوز بضع دقائق دون فقدان الانتباه.
وقد أشارت دراسة حول الفيديوهات القصيرة وتأثيرها على الطلاب إلى وجود تراجع ملحوظ في مدة الانتباه والعادات الدراسية عند الاستعمال المكثف.باختصار، المكافأة الفورية هي طريقة دماغك ليقول لك « هذا ممتع، افعله مجدداً »، ولكن في عصرنا الحالي، أصبحت المصادر المسببة لهذا الشعور أكثر إغراءً، مما يتطلب إدارة واعية لاستخدامها.
لا يقتصر تأثير الـ Reels على تشتيت الانتباه فقط، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي لدى المراهقين. فهذه المقاطع القصيرة تعرض بشكل متكرر حياة تبدو “مثالية”: أجساد مثالية، نجاح سريع، سفر دائم، وأسلوب حياة خالٍ من المشاكل، مما يدفع المراهق إلى مقارنة نفسه بالآخرين بشكل مستمر. ومع الوقت، تتحول هذه المقارنة إلى شعور بالنقص وعدم الرضا عن الذات، خاصة عندما يعتقد أن حياته أقل قيمة أو أقل نجاحاً مما يراه على الشاشة.
الاستعمال المكثف لـ Reels يرتبط بارتفاع مستويات القلق وانخفاض الإحساس بالرفاه النفسي بسبب ما يسمى “المقارنة الاجتماعية الصاعدة”، حيث يقارن الفرد نفسه بأشخاص يعتقد أنهم أفضل منه. كما أن هذا التعرض المستمر للمحتوى المثالي قد يؤدي إلى تراجع الثقة بالنفس والشعور بالإحباط النفسي لدى بعض المراهقين.
يعتمد محتوى الفيديوهات القصيرة على آليات مصممة لجذب الانتباه باستمرار، مثل التمرير اللانهائي، المكافأة السريعة، وإثارة الفضول مع كل فيديو جديد. هذا النمط يجعل الدماغ ينتظر بشكل دائم “الجرعة التالية” من المتعة أو المفاجأة، مما قد يؤدي تدريجياً إلى نوع من الإدمان السلوكي الرقمي. فيجد المراهق نفسه يعود إلى الهاتف بشكل متكرر حتى دون وجود حاجة حقيقية، فقط بدافع العادة أو للهروب من الملل والفراغ. ومع الوقت، يصبح التوقف عن التصفح أمراً صعباً بسبب الاعتياد على التحفيز السريع وإفراز الدوبامين بشكل متكرر، وهو ما قد يؤثر على القدرة على التركيز والصبر تجاه الأنشطة التي تحتاج جهداً ووقتاً أطول. وقد ربطت دراسات حديثة أن الاستعمال المكثف للفيديوهات القصيرة من بين أسباب ارتفاع مؤشرات الإدمان الرقمي واضطرابات الانتباه لدى المراهقين.
من المظاهر التي أصبحت منتشرة بين التلاميذ اليوم فتح الهاتف بشكل متكرر أثناء المراجعة، حتى كل بضع دقائق، مما يقطع التركيز ويجعل العقل ينتقل باستمرار بين الدراسة والمحتوى الرقمي. ومع هذا الاستعمال المتواصل، يفقد الكثير من المراهقين الإحساس بالوقت، فيقضون ساعات طويلة أمام الشاشة دون وعي، وهو ما يؤدي إلى السهر وضعف جودة النوم والإرهاق الذهني في اليوم الموالي. كما ينعكس هذا الأمر بشكل مباشر على المردودية الدراسية، حيث تصبح القدرة على الحفظ والاستيعاب أضعف بسبب التشتت المستمر وقلة الراحة الذهنية. فكثافة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي تؤدي الى تراجع الأداء الدراسي لدى المراهقين، خاصة عندما يتحول الهاتف إلى مصدر دائم للمقاطعة أثناء التعلم.
لا يمكن اعتبار الـ Reels أو الفيديوهات القصيرة شراً مطلقاً، لأن المشكلة الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في طريقة استعمالها، ومدة الاستهلاك، ونوعية المحتوى الذي يتابعه التلميذ يومياً. فهذه المقاطع يمكن أن تتحول إلى أداة تعليمية فعالة إذا استُعملت بوعي، إذ أصبح العديد من التلاميذ يتعلمون عبرها قواعد اللغة الفرنسية، وتبسيط الرياضيات، واكتساب اللغات، ومشاهدة تجارب علمية سريعة أو محتوى تحفيزي يساعدهم على الفهم والتعلم بطريقة ممتعة. إن الفيديوهات القصيرة التعليمية قد ترفع دافعية التعلم وتجعل المحتوى الدراسي أكثر قرباً من المراهقين. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول التلميذ من “مستخدم واعٍ” يبحث عن الفائدة، إلى “مستهلك سلبي” يقضي ساعات طويلة في التمرير دون هدف أو انتقاء للمحتوى. هنا تصبح المنصة أداة لاستهلاك الانتباه بدل تنمية المعرفة.
كيف نحمي التلميذ دون منعه من التكنولوجيا؟
لا يكمن الحل في منع التلميذ من التكنولوجيا بشكل كامل، لأن العالم الرقمي أصبح جزءاً أساسياً من الحياة اليومية والتعلم والتواصل. المطلوب اليوم هو تربية رقمية واعية تساعد التلميذ على فهم طريقة استعماله للهاتف والمنصات بدل أن يصبح خاضعاً لها بشكل تلقائي. لذلك من المهم تعليمه تنظيم الوقت الرقمي، وتخصيص فترات واضحة للدراسة بعيداً عن الإشعارات، مع تدريبه تدريجياً على استعادة القدرة على التركيز الطويل والقراءة الهادئة. كما أن تشجيع الرياضة والأنشطة الواقعية يساعد على خلق توازن نفسي وعقلي بعيداً عن الاستهلاك المستمر للشاشات.
ويمكن للكوتش المدرسي استغلال نفس التكنولوجيا بطريقة إيجابية عبر تحويل الفيديوهات القصيرة والمنصات الرقمية إلى أدوات تعليمية جذابة، بدل تركها فقط فضاءً للترفيه السريع والتشتت. فالتربية على الاستعمال الواعي للتكنولوجيا أكثر فعالية من المنع الصارم وحده في تحسين العلاقة الصحية مع العالم الرقمي.
أصبحت المدرسة اليوم مطالبة بأكثر من مجرد تدريس المواد التعليمية ونقل الكمي للمعلومات ، لأنها تواجه جيلاً يعيش داخل عالم رقمي دائم التأثير. لذلك برزت الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ “التربية الرقمية”، أي تعليم التلميذ كيف يستعمل الهاتف بوعي، وكيف يحمي انتباهه من التشتت المستمر، وكيف يفهم عمل الخوارزميات التي تقترح له المحتوى بشكل متواصل بهدف إبقائه أطول مدة ممكنة أمام الشاشة. فمعركة التلميذ الحديثة لم تعد فقط مع صعوبة الدروس أو ضغط الامتحانات، بل أيضاً مع ما يسمى “اقتصاد الانتباه”، حيث تتنافس التطبيقات والمنصات على جذب عقله وتركيزه بشكل دائم. لهذا أصبح من الضروري أن نساعده على التحكم في وقته الرقمي، وتطوير علاقة صحية مع التكنولوجيا، بدل أن يتحول إلى مستهلك سلبي يعيش تحت تأثير الإشعارات والمحتوى السريع دون وعي أو توازن. ففهم آليات عمل المنصات والخوارزميات يساعد الشباب على استعمال أكثر وعياً واستقلالية للتكنولوجيا.
خاتمة
أصبحت الـ Reels اليوم جزءاً من الحياة اليومية للمراهقين، وتعكس تحوّلاً كبيراً في طريقة استهلاك المعرفة والترفيه وحتى التواصل الاجتماعي. ورغم ما توفره هذه الفيديوهات القصيرة من سرعة ومتعة وسهولة في الوصول إلى المعلومة، فإن الاستعمال المفرط لها قد يؤثر بشكل واضح على التركيز، والعادات الدراسية، والصحة النفسية للتلميذ. لذلك فالتحدي الحقيقي لم يعد هو محاربة التكنولوجيا أو منعها، بل بناء جيل يمتلك وعياً رقمياً يسمح له باستعمالها دون أن يفقد قدرته على التفكير العميق، والصبر، والتركيز الطويل. إن المدرسة والأسرة اليوم أمام مسؤولية جديدة: تعليم التلميذ كيف يعيش داخل العالم الرقمي دون أن يصبح أسيراً له، وكيف يحول التكنولوجيا من أداة لاستهلاك الانتباه إلى وسيلة للتعلم والتطور وبناء الذات.
المراجع
• دراسة حول العلاقة بين Instagram Reels والصحة النفسية – مجلة Scientific Reports. (Nature)
• دراسة حول تأثير الفيديوهات القصيرة على التركيز والعادات الدراسية. (ResearchGate)
• دراسة عربية حول تعرض المراهقين للـ Reels وتأثيرها المعرفي والسلوكي. (Journals EKB)
• دراسة حول مواقع التواصل الاجتماعي والتحصيل الدراسي للمراهقين. (dspace.univ-ouargla.dz)
• مقال حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للمراهقين. (annajah.net)
• دراسة: تأثير مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة على مدة التركيز والانتباه والأداء الأكاديمي، مجلة آداب المستنصرية، 2026.
• دراسة: Mobile Devices in Student Learning: Enhancing Engagement or Contributing to Distractions?، 2025.
• دراسة Microlearning for Micro-Attention، 2025.
• دراسة: تأثير مقاطع الفيديو القصيرة في الفهم والتذكر، جامعة دمياط، 2025.
• نقاشات وتجارب طلابية حول تأثير الريلز على التركيز
التعليقات (4)