الهاتف الذي يسرق المراهقة: متى يتحول التلميذ من مستخدم إلى أسير؟
الهاتف الذي يسرق المراهقة: متى يتحول التلميذ من مستخدم إلى أسير؟
🔊 Ecouter l'article
0:00
إعداد: مراد ابن المبارك – أستاذ الرياضيات، باحث في علم النفس وكوتش مدرسي
يدخل التلميذ غرفته ليراجع درسًا، فيفتح هاتفه «لدقيقة واحدة» كي يجيب عن رسالة. ينتقل من الرسالة إلى مقطع قصير، ومن المقطع إلى إشعار جديد، ثم يرفع رأسه ليكتشف أن ساعة كاملة قد اختفت.
لم ينجز واجبه، لكنه لا يترك الهاتف. يشعر بالذنب، فيبحث عن مقطع آخر يخفف توتره، ثم يؤجل المراجعة إلى الغد. وفي الليل يضع الهاتف قرب وسادته، يطفئ الشاشة مرارًا، ويعيد تشغيلها كلما سمع إشعارًا أو شعر بالملل.
هنا لا يعود الهاتف مجرد جهاز في يد المراهق؛ بل يصبح طرفًا خفيًا يعيد تنظيم نومه وانتباهه ومزاجه وعلاقته بالدراسة.
ليس كل استعمال طويل إدمانًا
من المهم ألّا نصف كل مراهق يحب هاتفه بأنه «مدمن». فقد يستخدم التلميذ الجهاز لساعات في التعلم أو التواصل أو إنجاز مشروع، دون أن يفقد السيطرة عليه.
المعيار الحقيقي ليس عدد الساعات وحده، وإنما درجة السيطرة والأثر الذي يتركه الاستخدام في الحياة اليومية. يصبح الاستعمال إشكاليًا عندما يعجز المراهق عن تقليله رغم محاولاته، ويغضب أو يتوتر بشدة عند منعه، ويهمل النوم والدراسة والعلاقات والأنشطة التي كان يستمتع بها.
وتعرّف منظمة الصحة العالمية الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بأنه نمط تصاحبه مؤشرات شبيهة بالإدمان، مثل فقدان السيطرة، والانشغال المستمر، وإهمال الأنشطة الأخرى، والاستمرار رغم النتائج السلبية. وأظهر تقرير شمل قرابة 280 ألف مراهق في 44 بلدًا ومنطقة أن 11% منهم أظهروا علامات استخدام إشكالي لوسائل التواصل. « منظمة الصحة العالمية » (https://www.who.int/europe/news/item/25-09-2024-teens–screens-and-mental-health)
لماذا يصعب على المراهق ترك الهاتف؟
المراهق لا يواجه جهازًا صامتًا، بل بيئة مصممة لجذب انتباهه أطول مدة ممكنة. الإشعارات، والتمرير المتواصل، والمقاطع القصيرة، والتوصيات الآلية، وأرقام الإعجابات؛ كلها تجعل التوقف أصعب.
كما أن الهاتف يلبي حاجات نفسية حقيقية: الانتماء إلى الأصدقاء، والهروب من الملل، والحصول على التقدير، وتخفيف القلق، وتجنب المشكلات، والشعور بأن شيئًا جديدًا قد يحدث في أية لحظة.
ولهذا قد لا يكون الهاتف هو المشكلة الأصلية دائمًا، بل الأداة التي يستخدمها المراهق للهروب من مشكلة أخرى: صعوبة دراسية، وحدة، نزاع أسري، ضعف الثقة بالنفس، خوف من الامتحان أو شعور بعدم الانتماء إلى المدرسة.
إذا أخذنا الهاتف ولم نفهم الحاجة التي كان يغطيها، فقد نوقف السلوك مؤقتًا دون معالجة سببه.
علامات تدل على فقدان السيطرة
ينبغي أن ينتبه الوالدان والمدرسون عندما تتكرر مجموعة من المؤشرات، من أبرزها:
– تفقد الهاتف فور الاستيقاظ وقبل النوم.
– محاولات متكررة لتقليل الاستخدام تنتهي بالفشل.
– الغضب الشديد أو القلق عند سحب الهاتف أو انقطاع الإنترنت.
– تراجع النتائج الدراسية وكثرة تأجيل الواجبات.
– النوم المتأخر وصعوبة الاستيقاظ للذهاب إلى المدرسة.
– استخدام الهاتف سرًا أثناء الليل أو داخل القسم.
– فقدان الاهتمام بالرياضة والقراءة واللقاءات العائلية.
– الانتقال المتكرر بين التطبيقات أثناء المراجعة.
– الكذب بشأن مدة الاستخدام أو إنشاء حسابات سرية.
– الشعور بالفراغ والملل بمجرد الابتعاد عن الشاشة.
– استمرار الاستخدام رغم إدراك أضراره.
وجود علامة واحدة لا يكفي للحكم، لكن اجتماع عدة علامات واستمرارها وتأثيرها الواضح في حياة التلميذ يستدعي التدخل.
الهاتف والانتباه الدراسي
التعلم يحتاج إلى انتباه مستمر، بينما يدرّب الاستخدام المتكرر للمقاطع القصيرة العقل على الانتقال السريع من مثير إلى آخر. لذلك قد يصبح الكتاب بطيئًا، والشرح داخل القسم أقل إثارة، وحل تمرين طويل مهمة شاقة.
لا يعني ذلك أن الهاتف «يدمر الدماغ»، كما تروج بعض العبارات المخيفة، لكنه قد يصنع عادات انتباه لا تنسجم مع طبيعة التعلم العميق.
وتشير اليونسكو إلى أن وجود الهاتف داخل الفصل قد يشتت التعلم، وأن مجرد قربه ووصول الإشعارات قد يؤثر في التركيز. كما أن استعادة الانتباه بعد المقاطعة قد تحتاج إلى وقت، ولهذا لا تكفي مطالبة التلميذ بأن «يتجاهل الهاتف» وهو بجانبه. « اليونسكو » (https://www.unesco.org/en/articles/smartphones-school-only-when-they-clearly-support-learning)
حين يدفع النوم الثمن
من أخطر أنماط الاستخدام أن يحمل المراهق الهاتف إلى فراشه. يقول إنه سيشاهد مقطعًا واحدًا، ثم تمتد الدقائق إلى ساعة أو أكثر. وقد يؤخر النوم خوفه من أن يفوته حديث أصدقائه أو حدث جديد.
فيستيقظ متعبًا، ويضعف انتباهه داخل القسم، ويصبح سريع الانفعال، ثم يلجأ إلى الهاتف مجددًا كي يهرب من الإرهاق والضغط. وهكذا تتشكل دائرة مغلقة:
هاتف متأخر ليلًا، نوم أقل، تركيز أضعف، تعثر دراسي، توتر أكبر، ثم هروب أطول إلى الهاتف.
وقد وجدت دراسة واسعة نُشرت في مجلة Pediatrics ارتباطًا بين امتلاك الهاتف الذكي في بداية المراهقة وارتفاع احتمال عدم كفاية النوم وبعض النتائج الصحية والنفسية؛ غير أن الارتباط لا يثبت وحده أن الهاتف هو السبب المباشر لكل مشكلة. « الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال » (https://publications.aap.org/pediatrics/article/157/1/e2025072941/205716/Smartphone-Ownership-Age-of-Smartphone-Acquisition)
أخطاء أسرية تزيد المشكلة
أول الأخطاء هو الانتقال المفاجئ من الحرية المطلقة إلى المنع الكامل. عندما يُترك المراهق سنوات دون قواعد، ثم يُسحب هاتفه بعنف بسبب نتيجة دراسية ضعيفة، فإنه يرى القرار عقوبة وانتقامًا لا حماية.
والخطأ الثاني هو مطالبة الأبناء بترك الهاتف بينما يستخدمه الوالدان أثناء الطعام والحوار العائلي. فالمراهق يتعلم من السلوك أكثر مما يتعلم من المحاضرات.
أما الخطأ الثالث فهو اختزال المشكلة في الكسل وسوء الأخلاق، واستخدام عبارات مثل: «لقد دمّر الهاتف عقلك» أو «أنت لا تصلح لشيء». هذه اللغة تجرح قيمة المراهق ولا تعلّمه إدارة سلوكه.
والخطأ الرابع هو مراقبته سرًا دون اتفاق أو سبب متعلق بالسلامة؛ لأن الحماية لا ينبغي أن تتحول إلى إلغاء كامل للخصوصية، خصوصًا مع التقدم في العمر.
خطة عملية لاستعادة السيطرة
الحل لا يبدأ بكسر الهاتف، بل ببناء علاقة جديدة معه. ويمكن تنفيذ ذلك تدريجيًا:
1. قياس الواقع
يراجع التلميذ تقرير الاستخدام الأسبوعي، ويحدد التطبيقات التي تستهلك وقته والأوقات التي يزداد فيها التصفح. الهدف هو الفهم لا الإدانة.
2. تحديد مناطق خالية من الهاتف
يُمنع الهاتف من ثلاث مساحات أساسية: مائدة الطعام، وفترة المراجعة، وغرفة النوم ليلًا. ويُشحن خارج الغرفة، مع استعمال منبه عادي عند الحاجة.
3. إبعاد المثيرات
تُوقف الإشعارات غير الضرورية، وتُزال التطبيقات الأكثر استنزافًا من الشاشة الرئيسية، ويُوضع الهاتف بعيدًا عن متناول اليد أثناء الدراسة، لا مقلوبًا فوق الطاولة فقط.
4. اعتماد فترات واضحة
يمكن للتلميذ أن يدرس 25 دقيقة بتركيز، ثم يأخذ استراحة قصيرة دون فتح المقاطع التي يصعب التوقف عنها. وبعد إنجاز المهمة، يخصص وقتًا معلومًا للتواصل والترفيه.
5. بناء بديل حقيقي
لا يمكن سحب مصدر المتعة الوحيد من حياة المراهق وترك فراغ مكانه. يحتاج إلى رياضة، وأصدقاء في الواقع، وهواية، وأنشطة أسرية، ونوم كافٍ، وأهداف دراسية قابلة للإنجاز.
6. وضع اتفاق أسري
تُكتب قواعد واضحة يشترك المراهق في صياغتها: متى يستخدم الهاتف؟ أين يوضع ليلًا؟ ماذا يحدث عند مخالفة الاتفاق؟ وتُطبق القواعد على الكبار والصغار بقدر مناسب لأدوارهم.
ما دور المدرسة؟
المدرسة ليست مطالبة بمنع التقنية كليًا ولا بتركها دون ضوابط. المطلوب سياسة واضحة تحدد متى يكون الهاتف أداة تعليمية ومتى يصبح مصدر تشتيت.
كما ينبغي تعليم التلاميذ مهارات الوعي الرقمي: إدارة الإشعارات، وحماية الخصوصية، ومقاومة التنمر الإلكتروني، والتحقق من المعلومات، وفهم أساليب جذب الانتباه داخل التطبيقات.
أما مصادرة الهاتف وحدها فقد توقف السلوك داخل المؤسسة، لكنها لا تبني القدرة على التنظيم الذاتي خارجها.
متى نحتاج إلى مختص؟
يُنصح بطلب مساعدة نفسية متخصصة عندما يصبح الاستخدام مصحوبًا بانهيار دراسي واضح، أو عزلة اجتماعية، أو اضطراب شديد في النوم، أو نوبات غضب عنيفة، أو أعراض اكتئاب وقلق، أو تعرض للتنمر والابتزاز الإلكتروني، أو مشاهدة محتوى لإيذاء النفس.
في هذه الحالات لا ينبغي التعامل مع الهاتف باعتباره المشكلة الوحيدة؛ فقد يكون نافذة ظهرت من خلالها معاناة أعمق.
خاتمة
الهاتف ليس عدوًا للمراهق، لكنه لا ينبغي أن يصبح مديرًا لوقته ومزاجه وانتباهه. والهدف ليس تربية جيل يرفض التكنولوجيا، بل جيل يستخدمها دون أن تستخدمه.
قبل أن نسأل التلميذ: «كم ساعة أمضيت أمام الهاتف؟»، علينا أن نسأله أيضًا: «ما الذي تهرب منه إلى الهاتف؟ وما الذي فقدته بسببه؟»
فأخطر ما يسرقه الهاتف ليس الوقت وحده، بل قدرة المراهق على الحضور في حياته: أن يدرس بتركيز، وينام بطمأنينة، ويجلس مع أسرته، ويكتشف ذاته بعيدًا عن شاشة تخبره باستمرار إلى أين ينظر وماذا يريد.
لا نريد أن نحرم أبناءنا من العالم الرقمي؛ نريد فقط ألّا يخسروا عالمهم الحقيقي في الطريق.
مراد ابن المبارك
Recevez les meilleurs articles chaque semaine
Rejoignez les lecteurs de la newsletter hebdomadaire — des articles choisis avec soin en education et orientation. Sans spam, desinscription a tout moment.
Votre e-mail est en securite — nous ne partageons vos informations avec aucun tiers.
A lire aussi
👨👩👧 الأسرة والتربية
رواية الخيط الأزرق: رحلة نفسية في مواجهة إدمان الهاتف لدى المراهقين
اكتشف رواية الخيط الأزرق لابن المبارك، رحلة نفسية مؤثرة تكشف إدمان الهاتف وضغط البكالوريا، وتفتح للمراهق والأسرة طريق التعافي.
🎯 التوجيه المدرسي والمهني
انتهى الامتحان وبدأ الإدمان: كيف نحمي أبناءنا من الغرق الرقمي في العطلة؟
دليل عملي لحماية الأبناء من الاستخدام المفرط للهاتف بعد الامتحانات، وبناء عطلة متوازنة من خلال الحوار والاتفاق الرقمي والبدائل الممتعة. الفيديو الرئيسي للمقالة:
🧠 الصحة النفسية والكوتشينغ
حين يصمت التلميذ: كيف تكتشف المدرسة معاناته النفسية قبل أن تتحول إلى أزمة؟
دليل عملي لاكتشاف علامات المعاناة النفسية لدى التلميذ، والإنصات إليه والتدخل مبكرًا قبل تحول صمته أو سلوكه إلى أزمة.
مقالات ذات صلة
⭐ تقييم المقال:
🔑 سجّل دخولك للتقييم

التعليقات (0)