
الطفل الذي لا يطرح الأسئلة… هل يفهم فعلًا أم يخشى أن يسأل؟
🔊 استمع للمقال
0:00
في أحد الفصول الدراسية، أنهت المعلمة شرح درس جديد، ثم توجهت إلى التلاميذ بالسؤال المعتاد: «هل فهم الجميع؟». أجاب بعضهم بالإيجاب، بينما اكتفى الآخرون بالصمت.
كان ياسين من بين الصامتين. تابع الشرح باهتمام، ودوّن ما كُتب على السبورة، لكنه لم يستوعب إحدى الأفكار الأساسية. ومع ذلك، لم يرفع يده للاستفسار.
وعندما عاد إلى المنزل، وجد صعوبة في إنجاز واجباته. سأله والده: «ألم يشرح لكم الأستاذ هذا الدرس؟»، فأجاب: «بلى، لكنه كان صعبًا».
تكشف هذه الواقعة عن مشكلة تربوية قد تمر دون انتباه: ليس كل طفل صامت داخل الفصل طفلًا فاهمًا، وليس كل طفل كثير الأسئلة ضعيف التحصيل.
الصمت لا يعني دائمًا الفهم
يميل بعض الأطفال إلى إخفاء عدم فهمهم، ليس لأنهم غير مهتمين بالتعلم، بل لأن السؤال قد يمثل بالنسبة إليهم موقفًا محرجًا.
وقد يخشى الطفل أن يبدو أقل فهمًا من زملائه، أو أن يتلقى تعليقًا سلبيًا، أو أن يعطل سير الدرس.
ومع تكرار هذه التجربة، قد يعتاد الاستماع دون استفسار، فتتراكم لديه ثغرات صغيرة تتحول تدريجيًا إلى صعوبات دراسية أكبر.
لكن الصمت قد تكون له أسباب أخرى أيضًا، مثل الخجل أو الحاجة إلى وقت إضافي للتفكير؛ ولذلك لا ينبغي تفسيره دائمًا باعتباره خوفًا.
عندما يصبح السؤال دليلًا على التعلم
لا يبدأ التعلم الحقيقي بمجرد استقبال المعلومات، بل يتطور عندما يحاول المتعلم فهمها وربطها بمعارفه السابقة.
والسؤال إحدى الأدوات التي تساعده على ذلك.
فالطفل الذي يسأل «لماذا؟» أو «كيف؟» لا يطلب بالضرورة إجابة جاهزة، وإنما قد يحاول بناء معنى لما يتعلمه.
ومن هنا تظهر أهمية البيئة التعليمية التي تمنح الأطفال فرصة للتعبير عن تساؤلاتهم دون خوف من الأحكام السلبية.
كيف نكتشف الفهم الحقيقي؟
بدل الاكتفاء بسؤال الطفل «هل فهمت؟»، يمكن للأسرة والمعلم استعمال أسئلة تكشف طبيعة الفهم، مثل:
– «هل تستطيع شرح الفكرة بطريقتك؟»
– «ما الجزء الذي وجدته صعبًا؟»
– «هل يمكنك إعطائي مثالًا من عندك؟»
تساعد هذه الأسئلة على الانتقال من الإجابة السريعة بنعم أو لا إلى حوار يكشف ما استوعبه الطفل فعلًا.
كما أن منح الطفل وقتًا للتفكير قبل الإجابة يتيح له تنظيم أفكاره، خصوصًا إذا كان يحتاج إلى وقت أطول للتعبير.
الأسرة شريك في تنمية فضول الطفل
يمكن للأسرة أن تجعل السؤال جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية، دون تحويل كل حوار إلى اختبار للمعرفة.
فعندما يسأل الطفل عن ظاهرة شاهدها أو موقف أثار انتباهه، ليس ضروريًا أن يقدم الأب أو الأم الجواب فورًا.
قد يكون من المفيد أحيانًا أن يسألاه: «ما تفسيرك أنت؟» ثم يساعداه على البحث عن الإجابة.
بهذا الأسلوب يتعلم الطفل أن المعرفة لا تعني امتلاك جميع الأجوبة، بل تشمل القدرة على التساؤل والبحث والتحقق.
من ثقافة الإجابة الصحيحة إلى ثقافة السؤال الجيد
عندما تُقاس المشاركة داخل الفصل بعدد الإجابات الصحيحة فقط، قد يتردد بعض المتعلمين في التعبير عن أفكارهم غير المكتملة.
أما عندما يحظى السؤال الجيد بالتقدير، فإن فرص المشاركة تصبح أوسع.
ولا يعني ذلك التخلي عن الدقة أو تصحيح الأخطاء، بل تحقيق التوازن بين تشجيع التفكير وتوجيهه نحو المعرفة الصحيحة.
خلاصة المقال
قد يخفي صمت الطفل داخل الفصل أسئلة لم يجد الشجاعة أو الفرصة لطرحها.
ولذلك فإن مسؤولية الأسرة والمدرسة لا تقتصر على تقديم المعلومات، بل تشمل بناء بيئة يشعر فيها الطفل بأن السؤال وسيلة مشروعة للتعلم.
فالطفل الذي يتعلم كيف يسأل، يكتسب أداة تساعده على التعلم طوال حياته.
⭐ تقييم المقال:
🔑 سجّل دخولك للتقييماقرأ أيضاً
👨👩👧 الأسرة والتربية
حين يخاف الطفل من ارتكاب الخطأ… كيف نفقده شجاعة المحاولة؟
لماذا يخاف بعض الأطفال من الإجابة والمحاولة رغم امتلاكهم القدرات؟ مقال تربوي يفسر كيف ينشأ الخوف من الخطأ، ويقدم طريقة عملية تساعده على تنمية الشجاعة لديه.
👨👩👧 الأسرة والتربية
مراجعة التقدم… كيف نعرف أننا نتعلم الاستمرار؟
كيف تساعد مراجعة التقدم الطفل على فهم تجربته وتعديل عاداته؟ تعرّف إلى طريقة تحوّل التعثر من سبب للتوقف إلى خطوة نحو الاستمرار.
👨👩👧 الأسرة والتربية
من المراقبة إلى المساندة…!!! ؟
اكتشف كيف تنتقل الأسرة من مراقبة الطفل إلى مساندته، وتساعده على بناء الانضباط الذاتي والاستمرار في عاداته بثقة واستقلالية.
استلم أفضل المقالات أسبوعياً
انضم لقرّاء النشرة الأسبوعية — مقالات مختارة بعناية في التعليم والتوجيه. بدون إزعاج، يمكنك الإلغاء في أي وقت.
بريدك آمن — لن نشارك معلوماتك مع أي طرف ثالث.


التعليقات (0)