مِدادسجّل في المنصّة
← العودة للمقالات
👨‍👩‍👧 الأسرة والتربية 2 دقيقة قراءة 84 مشاهدة

أفهم كيف أحافظ على الاستمرار؟

حمو عجي
حمو عجي
أستاذ التعليم الابتدائي، مدرب الحساب الذهني السريع

 

           يبدأ الطفل عادته الجديدة بحماس واضح؛ يرتب مكتبه في اليوم الأول، ويقرأ عشر دقائق في اليوم الثاني، وينجز واجبه في الوقت المحدد خلال بضعة أيام. تفرح الأسرة بهذا التغيير، ويشعر الطفل بأنه أصبح أكثر التزامًا. لكن بعد مدة قصيرة، يتراجع الحماس، ويعود التأجيل، ثم تختفي العادة بهدوء كأنها لم تبدأ أصلًا.
           هنا يظهر السؤال الحقيقي: لماذا نستطيع البدء، لكننا نجد صعوبة في الاستمرار؟
         المشكلة في كثير من الأحيان لا تكمن في ضعف الطفل أو عدم قدرته على الالتزام، وإنما في الطريقة التي بُنيت بها العادة منذ البداية. فقد يختار الطفل هدفًا أكبر من طاقته، أو ينتظر أن يكون في مزاج جيد، أو يربط نجاحه بتنفيذ العادة بصورة كاملة لا تقبل الخطأ. وعندما يفوته يوم واحد، يعتقد أنه فشل، فيتوقف نهائيًا.
          إن الاستمرار لا يعني أن يؤدي الطفل عادته بطريقة مثالية كل يوم، بل يعني أن يعرف كيف يعود إليها كلما تعثر. فالطفل المستمر ليس هو الذي لا يتوقف أبدًا، وإنما هو الذي لا يسمح لتوقف مؤقت بأن يتحول إلى انسحاب دائم.

 الحماس يشعل البداية، لكن النظام يحمي العادة

        الحماس شعور جميل، لكنه متغير. قد يستيقظ الطفل في أحد الأيام نشيطًا ومستعدًا للقراءة أو المراجعة، ثم يشعر في يوم آخر بالتعب أو الملل. وإذا كانت العادة تعتمد على الحماس وحده، فإنها ستضعف كلما تغير مزاجه.
        أما النظام، فيجعل تنفيذ العادة أسهل؛ لأنه يحدد للطفل ماذا سيفعل، ومتى سيبدأ، وما المقدار المطلوب منه. فبدل أن يقول: «سأقرأ عندما أشعر بالرغبة»، يقول: «سأقرأ خمس دقائق بعد تناول وجبة العشاء». وبدل أن يقول: «سأراجع دروسي كثيرًا»، يحدد تمرينًا واحدًا أو فقرة قصيرة يراجعها بعد العودة من المدرسة.
      عندما تصبح للعادة إشارة واضحة ووقت ثابت وخطوة محددة، يقل احتياج الطفل إلى التفكير والتردد، ويصبح البدء أكثر تلقائية.

 لماذا تنقطع العادة؟

         قد تنقطع العادة لعدة أسباب، من أهمها أن الطفل يبدأ بخطوة كبيرة. فقد يقرر أن يقرأ ثلاثين دقيقة يوميًا وهو لم يعتد القراءة، أو أن يرتب غرفته كاملة كل مساء، أو أن يراجع جميع دروسه دفعة واحدة. ينجح في البداية اعتمادًا على حماسه، لكنه سرعان ما يشعر بثقل المهمة.
          وقد تنقطع أيضًا لأن النتائج لا تظهر بسرعة. فالطفل يريد أن يشعر بتحسن مباشر في القراءة أو الحساب أو التنظيم، وعندما لا يلاحظ فرقًا سريعًا، يظن أن جهده غير مفيد.
            ومن أسباب الانقطاع كذلك كثرة الأوامر والتذكير. عندما يسمع الطفل كل يوم: «اقرأ»، «راجع»، «رتب»، «أكمل»، فقد تتحول العادة في ذهنه من اختيار شخصي إلى واجب ثقيل مرتبط بالضغط.
           كما أن بعض الأطفال يتوقفون بسبب فكرة الكمال. فإذا نسي الطفل عادته يومًا واحدًا، يقول لنفسه: «لقد أفسدت الخطة»، ثم يتركها تمامًا. والحقيقة أن يومًا واحدًا لا يهدم عادة؛ الذي يهدمها هو الاستسلام بعد ذلك اليوم.

                      آليات تساعد الطفل على الاستمرار

 1. اجعل للعادة حدًا أدنى

         ينبغي أن يكون للعادة شكل صغير يستطيع الطفل تنفيذه حتى في الأيام الصعبة. فإذا كانت عادته القراءة عشر دقائق، يمكن أن يكون الحد الأدنى قراءة صفحة واحدة. وإذا كانت عادته ترتيب الغرفة، يمكن أن يكون الحد الأدنى إعادة ثلاثة أشياء إلى أماكنها.
          الحد الأدنى لا يهدف إلى تحقيق إنجاز كبير، بل إلى حماية الصلة بين الطفل وعادته. وقد يكتفي أحيانًا بالخطوة الصغيرة، وقد يواصل بعدها من تلقاء نفسه.

 2. اربط العادة بحدث ثابت

            يسهل تذكر العادة عندما تأتي بعد نشاط يتكرر يوميًا. يمكن مثلًا أن يقول الطفل:
               «بعد أن أنتهي من وجبتي، سأقرأ صفحتين.»
أو:
         «بعد أن أضع محفظتي في مكانها، سأراجع درسًا واحدًا.»
        بهذه الطريقة، يصبح النشاط الأول إشارة تدعو إلى النشاط الثاني، فلا تبقى العادة مرتبطة بالمزاج أو بالتذكير المستمر.

 3. حضّر البداية مسبقًا

          قد تكون بداية المهمة أصعب من تنفيذها. لذلك يساعد تجهيز الأدوات على تقليل التردد. يمكن وضع الكتاب فوق المكتب، وفتح الدفتر على الصفحة المطلوبة، وتجهيز القلم، وإبعاد الهاتف أو الألعاب عن مكان العمل.
           كل عائق صغير قد يصبح سببًا للتأجيل، وكل خطوة تُجهَّز مسبقًا تجعل الانطلاق أسهل.

 4. سجّل الحضور لا الكمال

        يمكن للطفل أن يستعمل جدولًا بسيطًا يضع فيه علامة أمام كل يوم مارس فيه عادته، حتى لو نفذ الحد الأدنى فقط. رؤية العلامات المتتابعة تمنحه شعورًا بالتقدم، وتجعله يدرك أن الاستمرار يُبنى من أيام صغيرة متراكمة.
         لكن الجدول لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للضغط أو العقاب. إذا غابت علامة يوم واحد، فالمطلوب هو العودة في اليوم التالي، لا لوم الطفل على ما فات.

 5. اتبع قاعدة: لا أتوقف يومين متتاليين

            قد يمرض الطفل، أو يسافر، أو يكون لديه اختبار، أو يمر بيوم متعب. لذلك فإن تفويت يوم واحد أمر طبيعي. القاعدة المفيدة هي ألا يتحول اليوم الواحد إلى يومين متتاليين.
           إذا لم يقرأ اليوم، يعود غدًا ولو لدقيقتين. وإذا لم يرتب مكتبه مساءً، يرتب جزءًا صغيرًا منه في اليوم التالي. العودة السريعة تمنع الانقطاع المؤقت من التحول إلى عادة جديدة من التأجيل.

 6. راجع السبب الذي بدأت من أجله

          عندما يضعف حماس الطفل، من المفيد أن يتذكر معنى عادته. لماذا يريد القراءة؟ لماذا ينظم وقته؟ لماذا يتدرب على الحساب الذهني؟
          يمكنه أن يكتب جملة قصيرة مثل: «أقرأ لأتعلم أشياء جديدة»، أو «أراجع يوميًا لأفهم دروسي بثقة». عندما يرتبط السلوك بهدف يفهمه الطفل، يصبح أكثر استعدادًا للمحاولة والاستمرار.

          الطريقة المثالية للتطبيق: خطة الاستمرار المرنة

يختار الطفل عادة واحدة فقط، ثم يكتب خطة قصيرة تتكون من خمسة عناصر:
1. عادتي: ما السلوك الذي أريد المحافظة عليه؟
2. وقتها: متى سأقوم به؟
3. إشارتها: بعد أي نشاط ثابت سأبدأ؟
4.حدها الأدنى: ما أصغر خطوة أنفذها في اليوم الصعب؟
5. خطة العودة: ماذا سأفعل إذا توقفت يومًا؟

                              مثال تطبيقي:

– عادتي: القراءة اليومية.
– وقتها: بعد وجبة العشاء.
– إشارتها: عندما أضع طبقي في المطبخ.
– حدها الأدنى: قراءة صفحة واحدة.
– خطة العودة: إذا فاتني يوم، سأقرأ صفحة في اليوم التالي دون لوم نفسي.
يطبق الطفل هذه الخطة سبعة أيام، ثم يجلس مع أحد والديه لمراجعتها. لا يكون السؤال: «هل نفذت كل شيء دون خطأ؟»، بل تكون الأسئلة:
– ما الذي سهّل عليك الاستمرار؟
– في أي يوم وجدت صعوبة؟
– هل كانت الخطوة مناسبة أم كبيرة؟
– ماذا نغير في الأسبوع المقبل؟

                         كيف تساند الأسرة الطفل؟

           دور الأسرة ليس مراقبة الطفل في كل لحظة، بل مساعدته على بناء قدرته على الاستمرار. ومن الأفضل أن تكتفي بتذكير هادئ ومتفق عليه، بدل تكرار الأوامر طوال اليوم.
          كما ينبغي مدح السلوك المحدد، مثل: «أعجبني أنك عدت إلى القراءة اليوم رغم أنك نسيتها بالأمس»، بدل الاكتفاء بعبارات عامة مثل: «أنت رائع». فالمدح المحدد يجعل الطفل يعرف السلوك الذي يستحق التكرار.
          ويمكن للأسرة أن تشارك الطفل عادة صغيرة؛ فيقرأ الجميع عشر دقائق، أو يرتب كل فرد جزءًا من المكان، أو يسجل أفراد الأسرة تقدمهم في لوحة مشتركة. حين يرى الطفل أن الكبار أيضًا يحتاجون إلى المحاولة والتنظيم والعودة بعد التعثر، يفهم أن الاستمرار مهارة نتعلمها، وليس صفة يولد بها بعض الناس فقط.

                     متى نحتاج إلى مساعدة الكوتش؟

           قد يعرف الطفل الخطوات، لكنه يستمر في التوقف بسبب خوف من الفشل، أو ضعف في الثقة بالنفس، أو صعوبة في تنظيم الوقت، أو مقاومة شديدة لكل ما يرتبط بالدراسة. عندها يساعد الكوتش المدرسي على اكتشاف السبب الحقيقي بدل الاكتفاء بوصف الطفل بالكسل.
          يمكن للكوتش أن يجزئ العادة إلى خطوات مناسبة، ويضع مع الطفل وسيلة متابعة بسيطة، ويدربه على الحديث الإيجابي مع نفسه، ثم ينسق مع الأسرة حتى تصبح المتابعة داعمة وغير ضاغطة.

                                     رسالة اليوم

          لا تحتاج العادة إلى طفل لا يتعب ولا ينسى ولا يخطئ، بل تحتاج إلى طفل يتعلم كيف يعود. يوم ضعيف لا يمحو الأيام السابقة، وتعثر صغير لا يعني فشل الخطة.
           النجاح لا تصنعه دفعة قوية نبدأ بها ثم نتوقف، وإنما تصنعه خطوات صغيرة نحافظ عليها، ونعدلها عند الحاجة، ونعود إليها كلما ابتعدنا.
تحدي اليوم: اختر عادة بدأت بها من قبل ثم توقفت. أعدها اليوم في أصغر صورة ممكنة، وسجل أمامها هذه العبارة: **«لا أبحث عن الكمال؛ أنا أتدرب على الاستمرار.»**
كتب لك
حمو عجي
أستاذ التعليم الابتدائي، مدرب الحساب الذهني السريع

أعجبك ما قرأت؟ احصل على مرافقة شخصية معه — جلسة استشارة 1:1 مخصّصة لحالتك.

استلم أفضل المقالات أسبوعياً

انضم لقرّاء النشرة الأسبوعية — مقالات مختارة بعناية في التعليم والتوجيه. بدون إزعاج، يمكنك الإلغاء في أي وقت.

بريدك آمن — لن نشارك معلوماتك مع أي طرف ثالث.

اقرأ أيضاً

شارك المقال: فيسبوك تويتر
🎓

أعجبك هذا المقال؟

انضم لمجتمع CoachLab — مجتمع المهنيّين التربويّين في المغرب.
مجّاناً تماماً — اطّلع على المزيد من المقالات والمحاضرات والاستشارات.

مكتبة مقالات
محاضرات أسبوعيّة
شبكة مهنيّين
⚡ التسجيل يأخذ أقلّ من 30 ثانية · لا بطاقة بنكيّة مطلوبة
مقالات ذات صلة
⭐ تقييم المقال:
🔑 سجّل دخولك للتقييم
لا يوجد تقييم بعد · كن الأول!

التعليقات (0)

كن أول من يعلّق على هذه المقالة 💭
جاري التحضير...
يرجى الانتظار، نُحضّر صفحة تسجيل الدخول