مِدادسجّل في المنصّة
← العودة للمقالات
الفجوة بين المعرفة والمهارة: لماذا لا يستطيع بعض الأطفال تطبيق ما تعلموه؟
👨‍👩‍👧 الأسرة والتربية 5 دقيقة قراءة 11 مشاهدة

الفجوة بين المعرفة والمهارة: لماذا لا يستطيع بعض الأطفال تطبيق ما تعلموه؟

حمو عجي
حمو عجي
أستاذ التعليم الابتدائي، مدرب الحساب الذهني السريع

              كان أيمن، البالغ من العمر عشر سنوات، يستطيع شرح قاعدة القسمة بإتقان. يحفظ خطواتها، ويجيب عن أسئلة معلمه المتعلقة بها، بل ويشرحها أحيانًا لزملائه.

              لكن عندما واجه مسألة تتعلق بتوزيع 48 كتابًا بالتساوي على 6 رفوف، توقف طويلًا. لم يعرف كيف يبدأ، رغم أن العملية المطلوبة هي نفسها التي تدرب عليها مرارًا.
            لم يكن أيمن يجهل القسمة، لكنه لم يتعرف على كيفية استعمالها في موقف مختلف عن التمارين المعتادة.
تكشف هذه الحالة عن واحدة من أهم القضايا التربوية: قد يمتلك الطفل المعرفة، لكنه لا يمتلك بعد القدرة على تحويلها إلى مهارة قابلة للتطبيق.
                                                                         المعرفة ليست هي المهارة
          هناك فرق جوهري بين أن يعرف الطفل قاعدة معينة، وأن يستطيع استعمالها لحل مشكلة جديدة.
فالمعرفة تعني امتلاك المعلومات والمفاهيم، بينما تتطلب المهارة توظيف تلك المعرفة في مواقف عملية.
         قد يحفظ الطفل قواعد النظافة، لكنه يحتاج إلى ممارستها حتى تصبح سلوكًا يوميًا. وقد يعرف خطوات تنظيم الوقت، لكنه يواجه صعوبة في ترتيب أنشطته دون مساعدة.
وهذا يفسر لماذا لا تؤدي كثرة المعلومات وحدها بالضرورة إلى تحسين الأداء.
                                                              لماذا يصعب الانتقال من الدرس إلى الواقع؟
            عندما يتعلم الطفل مفهومًا داخل سياق محدد، فإنه قد يربطه بطريقة عرض المعلم أو بنوع التمارين التي اعتاد حلها.
فإذا تغيرت صياغة السؤال أو ظهرت المشكلة في موقف جديد، قد لا يتعرف على العلاقة بين ما تعلمه وما هو مطلوب منه.
يسمي الباحثون هذه العملية انتقال أثر التعلم، أي قدرة المتعلم على استعمال معارفه ومهاراته السابقة في سياقات أخرى.
ولا يحدث هذا الانتقال تلقائيًا في جميع الحالات؛ بل يحتاج غالبًا إلى تدريب متنوع يساعد الطفل على اكتشاف الروابط بين المواقف المختلفة.
                                                          عندما يصبح التدريب المتكرر غير كافٍ
          لنفترض أن طفلًا أنجز عشرين عملية جمع متشابهة بنجاح. قد يدل ذلك على إتقانه إجراءً حسابيًا معينًا، لكنه لا يثبت بالضرورة قدرته على اختيار الجمع عندما يواجه مشكلة من الحياة اليومية.
فالتمارين المتشابهة تساعد على تثبيت الإجراءات، بينما تسمح المواقف المتنوعة باختبار الفهم والقدرة على اتخاذ القرار.
لهذا يحتاج التعلم الفعال إلى الجمع بين التدريب المنظم والتطبيق في سياقات مختلفة، مع مراعاة مستوى الطفل.
                                                             كيف نبني الجسر بين المعرفة والتطبيق؟
          يمكن اعتماد مسار تربوي يتكون من أربع مراحل مترابطة:
المرحلة الأولى: فهم المفهوم
يتعرف الطفل على القاعدة ويشرحها بكلماته، مع التأكد من استيعاب معناها وليس مجرد حفظها.
المرحلة الثانية: التطبيق الموجَّه
ينجز تمارين نموذجية بمساعدة المعلم أو ولي الأمر، مع توضيح أسباب اختيار كل خطوة.
المرحلة الثالثة: تنويع المواقف 
يواجه مسائل مختلفة تستعمل المفهوم نفسه، ويتعلم كيف يتعرف على القاعدة المناسبة.
المرحلة الرابعة: التطبيق المستقل
يستعمل الطفل ما تعلمه في موقف جديد، ثم يراجع اختياراته ويستخلص ما يمكن تحسينه.
                                                                 الأسرة مختبر طبيعي للتعلم
            تتيح الحياة اليومية فرصًا عديدة لتحويل المعارف المدرسية إلى مهارات.
فعند التسوق، يمكن للطفل استعمال الحساب لتقدير مجموع المشتريات. وأثناء إعداد وصفة بسيطة، يستطيع توظيف القياس والمقادير. وعند التخطيط لنشاط عائلي، يمكنه التدرب على تنظيم الوقت وترتيب الأولويات.
لا تتطلب هذه الأنشطة تحويل المنزل إلى فصل دراسي إضافي، بل استثمار مواقف طبيعية تمنح التعلم معنى واضحًا.
والأفضل أن نمنح الطفل فرصة التفكير قبل تقديم الحل، وأن نناقشه في الطريقة التي اختارها، بدل التركيز على النتيجة وحدها.
                                                       كيف نعرف أن الطفل أصبح يمتلك المهارة؟
            لا يكفي أن ينجح الطفل في تمرين سبق أن تدرب عليه. يمكننا البحث عن مؤشرات أكثر دلالة، مثل قدرته على تفسير اختياره، والتعامل مع تغير المعطيات، واكتشاف أخطائه وتصحيحها.
وكلما استطاع استعمال ما تعلمه باستقلالية في مواقف مناسبة لمستواه، ظهرت دلائل أقوى على تطور مهارته.
                                                                             خلاصة المقال
                     ليست الغاية النهائية من التعليم أن يحتفظ الطفل بأكبر قدر من المعلومات، بل أن يفهم ما يتعلمه ويعرف متى وكيف يستعمله.
فالمعرفة تمنح الطفل الأدوات، أما التدريب والتطبيق فيساعدانه على اكتساب القدرة على استخدامها.
وعندما تنجح الأسرة والمدرسة في الربط بين الدرس والحياة، يصبح التعلم أكثر معنى، وتتحول المعلومات تدريجيًا إلى كفاءات يستفيد منها الطفل خارج حدود الكتاب المدرسي.
شارك المقال: فيسبوك X
⭐ تقييم المقال:
🔑 سجّل دخولك للتقييم
لا يوجد تقييم بعد · كن الأول!
كتب لك
حمو عجي
أستاذ التعليم الابتدائي، مدرب الحساب الذهني السريع

أعجبك ما قرأت؟ احصل على مرافقة شخصية معه — جلسة استشارة 1:1 مخصّصة لحالتك.

اقرأ أيضاً

التعليقات (0)

كن أول من يعلّق على هذه المقالة 💭
🎓

أعجبك هذا المقال؟

انضم لمجتمع CoachLab — مجتمع المهنيّين التربويّين في المغرب.
مجّاناً تماماً — اطّلع على المزيد من المقالات والمحاضرات والاستشارات.

مكتبة مقالات
محاضرات أسبوعيّة
شبكة مهنيّين
⚡ التسجيل يأخذ أقلّ من 30 ثانية · لا بطاقة بنكيّة مطلوبة

استلم أفضل المقالات أسبوعياً

انضم لقرّاء النشرة الأسبوعية — مقالات مختارة بعناية في التعليم والتوجيه. بدون إزعاج، يمكنك الإلغاء في أي وقت.

بريدك آمن — لن نشارك معلوماتك مع أي طرف ثالث.
جاري التحضير...
يرجى الانتظار، نُحضّر صفحة تسجيل الدخول
معطياتكم محمية وفق القانون 09-08 · سياسة الخصوصية