
من المراقبة إلى المساندة…!!! ؟
🔊 استمع للمقال
0:00

قد يلتزم الطفل بعادته اليومية ما دام أحد والديه يراقبه ويذكّره باستمرار، لكنه يتوقف عنها بمجرد غياب هذه المتابعة. يقرأ حين يُطلب منه أن يقرأ، ويرتب أغراضه بعد تكرار التنبيه، وينجز تمرينه عندما يشعر بأن أحدًا يترقب النتيجة. عندها تبدو الأسرة وكأنها نجحت في دفعه إلى الالتزام، بينما تكشف الأيام أن الاستمرار لم يصبح بعدُ قرارًا داخليًا لدى الطفل.
تكمن الإشكالية في الخلط بين المساندة والمراقبة. فالمساندة تساعد الطفل على تولّي مسؤوليته تدريجيًا، أما المراقبة المفرطة فتنقل المسؤولية منه إلى الشخص الذي يتابعه. ومع تكرار هذا الأسلوب يتعلم الطفل، من دون قصد، أن بداية العمل مرتبطة بصوت خارجي يطلب منه التحرك، وأن إنجاز المهمة ليس شأنًا يخصه بقدر ما هو استجابة لرغبة الوالدين.
ولا يعني ذلك أن تترك الأسرة الطفل يواجه عاداته وحده منذ البداية. فالطفل يحتاج إلى إطار واضح يشعر داخله بالأمان، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى مساحة تسمح له بالمحاولة والخطأ واتخاذ القرار. الأسرة الداعمة لا تؤدي المهمة نيابة عنه، ولا تحاصره بالأسئلة المتتابعة، بل تساعده على بناء نظام يمكنه الاعتماد عليه.
يمكن ملاحظة الفرق في موقف بسيط. إذا اتفقت الأسرة مع الطفل على القراءة عشر دقائق بعد وجبة العشاء، فقد يتحول الأمر إلى صراع يومي عندما يسمع طوال المساء: «هل قرأت؟ لماذا لم تبدأ؟ أسرع قبل أن يتأخر الوقت». ومع كثرة التذكير تصبح القراءة مرتبطة بالتوتر، وربما يمارسها الطفل فقط لإنهاء الضغط.
أما في البيئة الداعمة، فيُتفق مسبقًا على وقت واضح ومكان مناسب، ويُترك للطفل أن يتذكر الموعد ويتصرف. يمكن للأب أو الأم تقديم تذكير واحد هادئ عند الحاجة، ثم منح الطفل فرصة لتحمل نتيجة اختياره. وفي نهاية الأسبوع لا يكون الحوار محاكمة لما فاته، بل مراجعة مشتركة: ما الذي ساعدك على القراءة؟ وما الذي جعل البداية صعبة؟ وكيف يمكن تعديل الوقت أو المكان؟
بهذه الطريقة لا تعود الأسرة مصدر الأوامر، بل تصبح شريكًا في فهم التجربة. كما أن اهتمامها ينتقل من النتيجة وحدها إلى السلوك الذي أدى إليها. فبدل الاكتفاء بعبارة مثل: «أنت طفل رائع»، يكون من الأجدى الإشارة إلى الفعل نفسه: «لاحظت أنك بدأت القراءة من دون تذكير اليوم». هذا النوع من التقدير يجعل الطفل يرى تقدمه بوضوح ويفهم أن الاستمرار ناتج عن اختيارات يستطيع تكرارها.
ومن المهم أن تتراجع المساندة تدريجيًا كلما أصبح الطفل أكثر قدرة على تنظيم نفسه. ففي البداية قد تساعده الأسرة على تحديد وقت العادة، ثم تكتفي لاحقًا بالسؤال عن خطته، قبل أن تترك له مسؤولية المتابعة كاملة. هذا التراجع ليس إهمالًا، بل دليل على أن الهدف من الدعم قد تحقق: أن يصبح الطفل قادرًا على الاستمرار حتى عندما لا يراقبه أحد.
وإذا ظلت العادة سببًا للصراع رغم المحاولات المتكررة، فقد تكون المشكلة أعمق من ضعف الإرادة. ربما يواجه الطفل صعوبة في الانتباه أو تنظيم الوقت، أو يشعر بالخوف من الفشل. هنا يمكن للكوتش التربوي أن يساعد الأسرة والطفل على فهم العائق، وإعادة توزيع الأدوار، وتصميم طريقة تناسب قدراته وظروفه.
إن نجاح الأسرة لا يُقاس بعدد المرات التي استطاعت فيها إجبار الطفل على إتمام المهمة، بل بقدرته على مواصلة عادته في غيابها. فالمساندة الحقيقية لا تجعل الطفل محتاجًا إلى المراقبة، وإنما تمنحه الأدوات والثقة ليقود نفسه بنفسه.
استلم أفضل المقالات أسبوعياً
انضم لقرّاء النشرة الأسبوعية — مقالات مختارة بعناية في التعليم والتوجيه. بدون إزعاج، يمكنك الإلغاء في أي وقت.
بريدك آمن — لن نشارك معلوماتك مع أي طرف ثالث.
اقرأ أيضاً
👨👩👧 الأسرة والتربية
العادة ليست قانونًا جامدًا… متى نراجعها وكيف نطورها؟
كيف نساعد الطفل على تطوير عاداته دون الشعور بالفشل؟ مقال يوضح متى نراجع العادة وكيف نعدّلها لتناسب ظروفه، مع الحفاظ على الهدف ودعم الأسرة.
👨👩👧 الأسرة والتربية
مراجعة التقدم… كيف نعرف أننا نتعلم الاستمرار؟
كيف تساعد مراجعة التقدم الطفل على فهم تجربته وتعديل عاداته؟ تعرّف إلى طريقة تحوّل التعثر من سبب للتوقف إلى خطوة نحو الاستمرار.
👨👩👧 الأسرة والتربية
خطوة صغيرة تحمي استمراري
تعرّف على قوة الخطوة الصغيرة في بناء العادات، وكيف تساعد الطفل على تجاوز التأجيل والمحافظة على الاستمرار بمساندة الأسرة أو الكوتش.
مقالات ذات صلة
⭐ تقييم المقال:
🔑 سجّل دخولك للتقييم

التعليقات (0)