يُعدّ غياب التركيز من أكثر التحديات التي تواجه العملية التعليمية التعلمية، سواء داخل أقسام التعليم الأولي أو التعليم الابتدائي أو المستويات الدراسية الأخرى. فكثيرًا ما نلاحظ متعلمين يجدون صعوبة في متابعة الشرح، أو إتمام الأنشطة، أو تذكّر التعليمات، أو الانتقال من مهمة إلى أخرى دون تشتت.
لكن هل يعني غياب التركيز أن المتعلم كسول أو غير مهتم بالتعلم؟ وهل تكمن المشكلة دائمًا في قدراته الفردية، أم أن هناك عوامل تربوية ونفسية وبيئية ومنهجية تساهم في ظهورها؟
من منظور الكوتشينغ المدرسي، لا ينبغي التعامل مع غياب التركيز باعتباره عيبًا في المتعلم، بل بوصفه مؤشرًا يستدعي الملاحظة والفهم والبحث عن الحلول المناسبة. فخلف كل سلوك نلاحظه داخل القسم، قد توجد حاجة غير ملبّاة، أو صعوبة في التعلم، أو تحدٍّ في التنظيم الذاتي، أو ظروف لا تساعد على الانتباه.
أولًا: غياب التركيز من منظور الكوتش المدرسي
ينطلق الكوتش المدرسي من مبدأ أساسي: قبل أن نطالب المتعلم بالتركيز، علينا أن نفهم ما الذي يمنعه من ذلك.
فالتركيز ليس مجرد قرار يتخذه الطفل، بل مهارة تتداخل في بنائها مجموعة من العوامل، من بينها الانتباه، والذاكرة العاملة، والتحكم في الاندفاع، وتنظيم الوقت، وإدارة الانفعالات، والقدرة على الاستمرار في إنجاز المهمة.
ومن هنا، لا يكتفي الكوتش المدرسي بوصف المتعلم بأنه كثير الحركة أو سريع التشتت، بل يحاول الإجابة عن أسئلة أكثر عمقًا:
– متى يفقد المتعلم تركيزه؟ هل في بداية الحصة أم أثناء الأنشطة الطويلة؟
– هل يفهم التعليمات المقدمة إليه، أم يحتاج إلى تبسيطها وتقسيمها؟
– هل يستطيع التركيز عندما تكون المهمة مرتبطة باهتماماته؟
– هل يواجه صعوبة في تنظيم أدواته أو ترتيب خطوات العمل؟
– هل تؤثر فيه مشاعر القلق أو الخوف من الخطأ أو ضعف الثقة بالنفس؟
– هل تتناسب طبيعة النشاط مع عمره ومستوى نموه واحتياجاته؟
يساعد هذا النوع من التساؤل على الانتقال من إصدار الأحكام إلى فهم الاحتياجات. فبدلًا من تكرار عبارة «أنت لا تركز»، يمكننا أن نسأل المتعلم: «ما الذي يساعدك على إتمام هذه المهمة؟» أو «ما الخطوة التي يمكننا البدء بها الآن؟».
يعمل الكوتش المدرسي على تنمية مهارات المتعلم تدريجيًا، من خلال أنشطة عملية وألعاب تربوية وتحديات قصيرة وأدوات بصرية واستراتيجيات للتنظيم الذاتي. والهدف ليس فرض التركيز بالقوة، بل مساعدة المتعلم على اكتساب الأدوات التي تمكنه من توجيه انتباهه وإدارة تعلمه باستقلالية أكبر.
ومن المهم التأكيد أن الكوتشينغ المدرسي لا يُغني عن التقييم المتخصص عندما تكون صعوبات التركيز مستمرة وشديدة، بل يمكن أن يتكامل مع جهود الأسرة والمعلم والأخصائيين.
ثانيًا: المعلم أمام تحدي التركيز داخل القسم
يجد المعلم نفسه يوميًا أمام مسؤوليات متعددة؛ فهو مطالب بتقديم الدروس، وتدبير الزمن المدرسي، ومراعاة الفروق الفردية، وضبط القسم، وتقويم التعلمات، وتحقيق الأهداف المحددة في المنهاج.
وفي ظل هذه المسؤوليات، يصبح الحفاظ على انتباه جميع المتعلمين تحديًا حقيقيًا، خصوصًا عندما يضم القسم مستويات متفاوتة من الفهم والاستيعاب والسرعة في الإنجاز.
فالمتعلم الذي ينهي النشاط بسرعة قد يشعر بالملل، بينما يحتاج متعلم آخر إلى وقت إضافي لفهم التعليمات. وقد يجد طفل ثالث صعوبة في متابعة شرح طويل يعتمد على الاستماع وحده، رغم قدرته على التعلم عندما يستعمل الصور أو الحركة أو التجريب.
وهنا تبرز أهمية تنويع الممارسات الصفية، دون تحميل المعلم مسؤولية كل مظاهر التشتت.
يمكن للمعلم أن يدعم التركيز من خلال:
1. تقسيم المهام: تحويل النشاط الطويل إلى خطوات قصيرة وواضحة.
2. تنويع طرائق التدريس: المزج بين الشرح والحوار والتجريب والعمل الجماعي والوسائل البصرية.
3. توضيح التعليمات: تقديم تعليمات محددة والتحقق من فهمها قبل بدء العمل.
4. اعتماد فترات انتقال مناسبة: مساعدة المتعلمين على الانتقال المنظم بين الأنشطة.
5. تعزيز التقدم: تقدير المحاولة والمثابرة والتحسن، بدل التركيز على الأخطاء فقط.
6. مراعاة الفروق الفردية: توفير أنشطة متفاوتة في مستوى الصعوبة، كلما سمحت ظروف القسم بذلك.
ولا تعني هذه الممارسات أن المعلم مطالب بتحويل كل حصة إلى عرض ترفيهي، بل بأن يجعل التعلم واضحًا وهادفًا ومتنوعًا قدر الإمكان.
فالتركيز لا يتحقق بالصمت وحده، كما أن الحركة أو الحوار لا يعنيان دائمًا غياب التعلم. قد يكون المتعلم هادئًا لكنه غير منخرط ذهنيًا، وقد يكون نشيطًا ومتفاعلًا لكنه يحقق تعلمًا عميقًا.
ثالثًا: إكراهات المنهاج وأثرها في الانتباه
لا يمكن مناقشة غياب التركيز بمعزل عن السياق الذي يحدث فيه التعلم. فالمنهاج الدراسي، وكيفية تنزيله، والظروف التي يعمل فيها المعلم، كلها عناصر تؤثر في التجربة الصفية.
من بين الإكراهات التي قد تجعل تدبير التركيز أكثر صعوبة:
1. كثافة المضامين وضغط الزمن
عندما يشعر المعلم بأنه مطالب بإنهاء عدد كبير من الدروس والأنشطة خلال مدة محدودة، فقد يصبح من الصعب تخصيص الوقت الكافي للتثبيت والتدريب وإعادة الشرح ومعالجة التعثرات.
وقد ينتقل المتعلم من نشاط إلى آخر قبل أن يتمكن من استيعاب التعلم السابق، مما يزيد العبء المعرفي عليه ويضعف مشاركته.
2. تفاوت مستويات المتعلمين
يضم القسم الواحد متعلمين يختلفون في المكتسبات السابقة، والسرعة في الفهم، واللغة، والقدرة على القراءة والكتابة، والاستقلالية في العمل.
وعندما لا تسمح ظروف القسم بتكييف الأنشطة بالقدر الكافي، قد يجد بعض المتعلمين أنفسهم أمام مهام تفوق استعدادهم، بينما يشعر آخرون بأن الأنشطة لا تقدم لهم تحديًا مناسبًا.
في الحالتين، قد يتراجع الانخراط في التعلم.
3. كثافة القسم ومحدودية الموارد
تؤثر أعداد المتعلمين، وضيق الفضاء، والضوضاء، ونقص الوسائل التعليمية، في قدرة المعلم على متابعة كل متعلم وتقديم الدعم الفردي له.
فمن الصعب أحيانًا ملاحظة أسباب تشتت طفل معين وسط مجموعة كبيرة، أو تقديم تعليمات إضافية لكل من يحتاج إليها، مع الاستمرار في تدبير الحصة وتحقيق أهدافها.
4. هيمنة التلقين وطول فترات الاستماع
عندما تعتمد الحصة على الشرح اللفظي المطول دون فرص كافية للتفاعل والتطبيق، قد يجد بعض المتعلمين صعوبة في المحافظة على الانتباه، خاصة في المراحل العمرية المبكرة.
ولا يعني ذلك الاستغناء عن الشرح المباشر، بل توظيفه إلى جانب أنشطة تسمح للمتعلم بالملاحظة والممارسة والاكتشاف والتعبير.
5. ضغط التقويم والنتائج
قد يؤدي التركيز المفرط على إنهاء المقرر والاستعداد للتقويم إلى تقليص المساحة المخصصة للأنشطة التي تنمي الاستقلالية والتعاون وحل المشكلات.
والتحدي هنا هو تحقيق التوازن بين اكتساب المعارف وبناء المهارات، وبين احترام الزمن المدرسي ومراعاة حاجات المتعلمين.
إن الاعتراف بهذه الإكراهات لا يعني اعتبار المنهاج وحده سببًا في غياب التركيز، بل يعني فهم المشكلة ضمن منظومة متكاملة، بدل اختزالها في سلوك الطفل أو أداء المعلم.
رابعًا: كيف نبني شراكة فعالة بين الكوتش المدرسي والمعلم؟
يمكن للتعاون بين الكوتش المدرسي والمعلم أن يشكل فرصة للانتقال من التدخلات الظرفية إلى بناء مهارات مستدامة لدى المتعلم.
فالمعلم يلاحظ سلوك المتعلم في سياق التعلم اليومي، ويتابع تقدمه في اكتساب المعارف، بينما يستطيع الكوتش المدرسي الاشتغال على مهارات مثل التركيز، والتنظيم، وتحديد الأهداف، وإدارة الوقت، والتواصل، والمثابرة.
ولتحقيق هذا التكامل، يمكن اعتماد الخطوات التالية:
الخطوة الأولى: الملاحظة دون أحكام.
تسجيل الحالات التي يظهر فيها التشتت، وطبيعة المهمة، ومدتها، والظروف المحيطة بها، بدل الاكتفاء بوصف عام مثل «لا يركز أبدًا».
الخطوة الثانية: تحديد هدف قابل للملاحظة.
بدل وضع هدف واسع مثل «يجب أن يصبح الطفل مركزًا»، يمكن تحديد هدف عملي: أن يتبع تعليمات من خطوتين، أو أن يبدأ المهمة باستقلالية، أو أن يستعمل قائمة بسيطة للتحقق من إنجازه.
الخطوة الثالثة: تدريب المتعلم على أدوات عملية.
يمكن استخدام مؤقت بصري، أو بطاقة لتقسيم المهمة، أو لعبة تتطلب الانتباه الانتقائي، أو نشاط لتقوية الذاكرة العاملة، أو استراتيجية «أتوقف، أفكر، أبدأ، أتحقق».
الخطوة الرابعة: نقل المهارة إلى القسم.
ينبغي أن تتكامل الأنشطة التدريبية مع الحياة المدرسية اليومية، حتى يتمكن المتعلم من استعمال ما تعلمه أثناء إنجاز واجباته ومتابعة الدروس وتنظيم أدواته.
الخطوة الخامسة: متابعة التقدم وتعديل التدخل.
يُلاحظ ما إذا كانت الاستراتيجية تساعد المتعلم فعلًا، وما إذا كان يحتاج إلى تبسيط المهمة أو تغيير الوسيلة أو دعم إضافي.
ولا ينبغي مقارنة المتعلم بالآخرين بقدر ما ينبغي متابعة تطوره مقارنة بمستواه السابق.
خامسًا: دور الأسرة في دعم التركيز
لا يتوقف التركيز عند باب المدرسة. فالروتين اليومي، والنوم، وطبيعة الأنشطة المنزلية، ووقت استعمال الشاشات، والضغوط التي يعيشها الطفل، كلها عوامل قد تؤثر في استعداده للتعلم.
ويمكن للأسرة أن تساهم في بناء بيئة داعمة من خلال تنظيم أوقات النوم، وتخصيص مكان مناسب للمذاكرة، وتقسيم الواجبات إلى فترات قصيرة، وتقليل المشتتات، وتشجيع الطفل على المحاولة دون تخويف أو مقارنة مستمرة.
كما ينبغي تجنب تحويل كل واجب منزلي إلى معركة حول الانتباه؛ لأن الضغط والتوبيخ المتكرر قد يزيدان من التوتر والنفور من التعلم.
وإذا استمرت صعوبات التركيز في سياقات مختلفة، وأثرت بوضوح في التعلم أو الحياة اليومية، فمن الأفضل التشاور مع مختص مؤهل لتحديد طبيعة الصعوبة والحاجة إلى تقييم إضافي، دون التسرع في إطلاق التشخيصات.
سادسًا: من لوم المتعلم إلى تطوير بيئة التعلم
إن معالجة غياب التركيز تتطلب تغيير زاوية النظر إلى المشكلة.
فبدل أن نسأل: «لماذا لا ينتبه هذا الطفل؟»، يمكن أن نسأل أيضًا: «هل المهمة واضحة؟ هل مدتها مناسبة؟ هل يمتلك المتعلم المهارات اللازمة لإنجازها؟ هل تتوفر له الظروف التي تساعده على التعلم؟ وما الدعم الذي يمكن أن نقدمه له؟».
هذه الأسئلة لا تلغي مسؤولية المتعلم في اكتساب مهارات التنظيم الذاتي، ولا تقلل من دور المعلم في تدبير التعلمات، لكنها توزع المسؤولية بشكل أكثر واقعية وإنصافًا.
فالتركيز مهارة قابلة للتدريب والتطوير، لكنه لا ينمو بالطريقة نفسها لدى جميع المتعلمين، ولا يتحقق بمجرد تكرار التعليمات أو المطالبة بالانضباط.
ومن هنا، يمكن للكوتشينغ المدرسي أن يساهم في بناء جسر بين أهداف المنهاج واحتياجات المتعلم، من خلال تدريب عملي على المهارات التي تساعده على المشاركة والتعلم والاستقلالية، بالتعاون مع المعلم والأسرة وباقي المتدخلين.


التعليقات (0)