في الفصل، أنت من يضبط الإيقاع. في عيون التلاميذ، أنت المرجع. في اجتماعات الأولياء، أنت الصوت الذي يُنصت إليه. ومع ذلك، حين تأتي لحظة عرض خدماتك في السوق المهني، تكتشف شيئاً غريباً: الناس يعرفونك، لكنهم لا يدفعون لك. يطلبون منك النصيحة مجاناً، يستفيدون من خبرتك بين الفينة والأخرى، ثم يذهبون لدفع الآلاف لشخص آخر يقدّم نفس ما تقدّمه — أحياناً أقل.
ما الذي يحدث؟
ليس نقصاً في الكفاءة. ليس قلة في الخبرة. وليس سوء حظ.
إنه التموضع المهني.
التموضع: ما هو فعلاً،
التموضع المهني ليس شعاراً تكتبه على بطاقتك، ولا صورة احترافية تنشرها على لينكدإن. هو الإجابة التي تتشكّل في ذهن الآخر حين يُسمع اسمك. هو الجواب على سؤال صامت: « إذا احتجت مساعدة في كذا، إلى من أذهب؟ »
المهني الذي يحتل مكاناً واضحاً في هذا السؤال، يُستدعى. والمهني الذي لا يحتل مكاناً واضحاً، يُتذكّر فقط حين يكون متاحاً مجاناً.
ولأن هذا السؤال يتشكّل عبر التكرار، يحدث شيء قاسٍ في حياة الأطر التربوية المغربية: يصير الناس يربطون اسمك بـ »مدرس المدرسة »، فلا يخطر ببالهم أبداً أن يدفعوا لك كـ »مستشار في التوجيه » أو « مدرب في القراءة السريعة » أو « خبير في صعوبات التعلّم »، حتى لو كنت أكفأ من كل من يُسمّى بهذه الأسماء.
التموضع الخاطئ لا يُلام عليه السوق. يُلام عليه صاحبه.
ثلاثة فخاخ تسجن فيها الكفاءات التربوية
الفخّ الأول: التعميم.
حين تقول للناس « أنا أساعد في الدعم الدراسي »، فأنت تقول لهم لا شيء. الدعم الدراسي يعرضه آلاف الأشخاص في كل مدينة. مَن سيتذكّرك أنت؟ مَن سيدفع لك الضعف لأنك « أنت » بالذات؟ لا أحد. التعميم هو الموت البطيء للقيمة المهنية. وأنت كل يوم تُعلن عن نفسك بشكل عام، تُذيب نفسك في بحر من المتشابهين.
الفخّ الثاني: التواضع المُفرط.
في الثقافة التربوية المغربية، يُربَّى الإطار على أن « لا يُمدح نفسه ». هذا أدب جميل في المجالس. لكنه كارثة في السوق. الأسرة التي تبحث عن من يساعد ابنها لا تملك وقتاً لاكتشافك. تحتاج أن تعرف في ثلاث ثوانٍ لماذا أنت الخيار الصحيح. التواضع الذي يمنعك من قول ذلك لا يجعلك أكثر احتراماً — يجعلك غير مرئي.
الفخّ الثالث: الانتظار.
« عملي يتكلّم عن نفسه. » لا. لا يتكلّم. عملك يحتاج إلى منصة، صياغة، تكرار، ودليل اجتماعي. المهني الذي ينتظر الاعتراف يموت قبل أن يأتي. والمهني الذي يبني تموضعه بشكل واعٍ، يجد الفرص تأتيه — حتى وهو نائم.
كيف تبدأ في إعادة تموضع نفسك — بدءاً من اليوم
أوّل خطوة لا تتطلّب مالاً ولا أدوات: اختر تخصصاً واحداً تريد أن يعرفك الناس فيه. ليس اثنين. ليس ثلاثة. واحداً. اختياره يبدو تضحية، لكنه في الحقيقة استثمار. لأن الذي يَعرفك كـ »الخبير في X » سيدفع لك في X. أمّا الذي يعرفك كـ »يفعل أشياء كثيرة »، فلن يدفع لك في أي منها.
ثاني خطوة: اكتب جملة واحدة تصف ما تفعله، ولمن، وما النتيجة. مثلاً: « أساعد تلاميذ السنة الأولى باكالوريا في الرباط على اختيار شعبتهم بثقة، عبر استشارة موجّهة في 3 جلسات. » جملة كهذه تُنشئ مكاناً ذهنياً مُحدّداً. كل من يقرأها يعرف فوراً: هل يحتاجك أم لا، وماذا يدفع، ومتى.
ثالث خطوة: اظهر بانتظام في المكان الصحيح. ليس عبر إعلانات مدفوعة، بل عبر محتوى يُثبت كفاءتك. مقال أسبوعي. فيديو شهري. مشاركة في لقاء Mastermind محلّي. حضور في نقاش أولياء أمور. كل ظهور يُضيف طبقة على التموضع — وكل غياب يُمحي طبقة كانت موجودة.
الفارق الذي لا يرى — ويُحدّد كل شيء
الكفاءات التربوية في المغرب لا ينقصها العلم. ينقصها التموضع. الذين يُحسنون إدارة هذا الجانب الواحد من حياتهم المهنية، يضاعفون دخلهم في سنة، ويتحوّلون من « أحد المعلمين » إلى « المرجع في المنطقة ». والذين يهملونه، يبقون في نفس الحلقة عقداً كاملاً — يعطون، ولا يأخذون شيئاً يليق بهم.
السؤال ليس: هل أنت كفء؟
السؤال هو: هل يَعرف السوق أنك كفء — في شيء محدّد، وبشكل لا يُنسى؟
إن كانت الإجابة « لا »، فالمشكلة ليست في الناس، ولا في « هذا الزمان ». المشكلة في تموضعك. وأخبار سارّة: التموضع يمكن إعادة بنائه. وهذه أوّل خطوة فعلية لتصبح مهنياً يُدفع له ما يستحقه.
كل كفاءة تربوية مغربية تستحق أن يُعرف اسمها — لا أن يُكتشف بعد فوات الأوان.
— أنزان
مؤسس CoachLab · Mastermind Maroc · Anzan Academy
coachlab.ma


التعليقات (0)