🎯 التوجيه المدرسي والمهني 1 دقيقة قراءة 702 مشاهدة
لماذا يحتاج الطفل الى التحدي ليتعلم؟
Loubaba Amrani
كوتش مدرسي استاذة لغة فرنسية
29 juillet 2026
🔊 استمع للمقال
0:00
💡 لصوت أوضح على آيفون: الإعدادات إمكانية الوصول المحتوى المنطوق الأصوات العربية حمّل النسخة المحسّنة.
قراءة في فكر « جان بياجيه » من منظور الكوتشينغ التربوي
يقول عالم النفس السويسري الشهير « جان بياجيه » إن الطفل لا يتعلم بمجرد تلقي المعلومات كوعاء فارغ، بل يبني معرفته بنفسه من خلال التفاعل النشط مع محيطه، والتجريب، وطرح الأسئلة، وحتى ارتكاب الأخطاء ، من هنا ندرك حقيقة تربوية جوهرية، وهي أن الطفل إذا ظل يفعل فقط ما يتقنه، فلن يضيف إلى خبراته شيئاً جديداً. فالطفل الذي يكرر التمارين السهلة قد يشعر بالراحة والأمان المزيف، لكن دماغه يبقى في حالة ركود معرفي.
الديناميكية العلمية للتعلم وكيف يغير التحدي عقل الطفل
يرى بياجيه أن التعلم الحقيقي هو عملية ترميم مستمر للأفكار. وعندما يواجه الطفل تحدياً أو موقفاً جديداً لا تكفي خبراته السابقة لحله، يمر الدماغ بأربع مراحل أساسية:
تبدأ المرحلة الأولى بالتمثل، حيث يحاول الطفل حل المشكلة الجديدة باستخدام معلوماته القديمة.
تليها مرحلة عدم التوازن المعرفي، فعندما تفشل الطريقة القديمة، يصاب الطفل بحيرة فكرية إيجابية، وتكون هذه الحيرة هي الشرارة التي تدفعه للبحث والتفكير.
بعد ذلك تأتي مرحلة الملاءمة، وفيها يقوم الدماغ بتعديل أفكاره القديمة أو ابتكار حلول جديدة تماماً لتناسب الموقف المعقد.
وأخيراً يصل الطفل إلى التوازن الجديد، وهو الفهم الأعمق والأقوى الذي تنمو به بنيته الذكائية خطوة إلى الأمام.
ودون هذا التحدي الذي يسبب حالة عدم التوازن الممتعة، لا يمكن لعقل الطفل أن يتطور بالشكل السليم.
الموازنة التربوية بين التحدي الذكي والضغط النفسي
لكن يجب الانتباه جيداً إلى أن التحدي لا يعني التعجيز. فمن منظور الكوتشينغ التربوي، هناك خيط رفيع وفارق هائل بين نوعين من المواقف:
النوع الأول هو التحدي الذكي الذي يصنع النمو. وفي هذا الموقف تكون المهمة أعلى قليلاً من قدرة الطفل الحالية، بحيث يمكنه حلها إذا بذل بعض الجهد، مما يثير فيه الفضول والشغف والرغبة في المحاولة والاستكشاف. ويحدث هذا التحدي في بيئة آمنة ترحب بالخطأ وتعتبره أداة طبيعية للتعلم والتحليل، لتكون النتيجة بناء طفل واثق من ذكائه
الذاتي ويمتلك مرونة نفسية لمواجهة الصعاب.
النوع الثاني هو الضغط والتعجيز الذي يسبب الانسحاب. وفي هذه الحالة تكون المهمة مستحيلة وفوق طاقة الطفل الاستيعابية وعمره الزمني، مما يولد في نفسه العجز والتوتر البالغ والخوف الشديد من الفشل والعقاب. ويحدث هذا عادة في بيئة مشحونة بالنقد المستمر واللوم والمقارنة الظالمة بالآخرين، لتكون النتيجة فقدان الشغف تماماً والاستسلام المبكر ونفور الطفل من الدراسة والتعلم.
الكوتشينغ التربوي والانتقال من دور الملقّن إلى المُيسِّر
في الكوتشينغ التربوي، لا يتبرع المعلم أو الولي بتقديم الحل الجاهز، لأن الحلول الجاهزة تقتل متعة الاكتشاف وتسلب الدماغ فرصة الملاءمة وتطوير الذات. الدور الحقيقي يكمن في طرح أسئلة استكشافية تحفز التفكير النقدي وتدعم الطفل أثناء مواجهة التحدي.
ومن هذه الأسئلة ما يحفز الملاحظة مثل: ماذا تلاحظ في هذا الشكل أو هذه المسألة؟
ومنها ما يبني الوعي بالذات مثل: كيف توصلت إلى هذه النتيجة الجميلة؟
وكذلك أسئلة لتوسيع الآفاق مثل: لو أردنا تجربة طريقة أخرى مختلفة، ماذا يمكن أن تكون؟
وأخيراً أسئلة لتحويل الفشل إلى خبرة مثل: هذا الخطأ مثير للاهتمام، فما المعرفة الجديدة التي علمنا إياها الآن؟
مثل هذه الأسئلة تحول الطفل من متلقٍ سلبي إلى قائد لعملية تعلمه، وتجعل المعلومة راسخة لأنها نتاج جهده الشخصي.
فخ المقارنة وإيقاع النمو الخاص
يؤكد بياجيه أن لكل طفل إيقاعه الحيوي والبيولوجي الخاص في النمو واستيعاب المفاهيم. وإن مقارنة الأطفال ببعضهم البعض هي جناية تربوية تولد الإحباط وتدمر دافع التحدي لديهم.
المقارنة العادلة الوحيدة هي مقارنة الطفل بنفسه، أي هل هو اليوم أفضل وأكثر معرفة مما كان عليه بالأمس؟ هذا هو مقياس النجاح الحقيقي. فالنجاح لا يقاس بكمية الإجابات الصحيحة المحفوظة، بل بالمرونة والمحاولة والاستمرار في البحث والتفكير.
رسالة إلى كل معلم وأم وأب
لا تجعل هدفك حماية الطفل من الخطأ، بل تسليحه بمهارة كيف يتعلم من الخطأ. ولا تسرق منه متعة المحاولة بتقديم الحلول السريعة، بل كُن شريكاً مشجعاً يوجهه من بعيد.
الطفل الذي يتعلم كيف يواجه التحديات المعرفية الصغيرة داخل غرفته جاري رفع الصورة…وصفِّه الدراسي، سيعرف مستقبلاً كيف يواجه تحديات الحياة الكبرى بثقة وثبات. فالتعلم الحقيقي ليس شحناً للذاكرة، بل هو بناء مستمر للشخصية والعقل، خطوة بعد خطوة.
التعليقات (1)