💡 لصوت أوضح على آيفون: الإعدادات إمكانية الوصول المحتوى المنطوق الأصوات العربية حمّل النسخة المحسّنة.
غالبا ما نسمع أن المعالجين النفسيين لا يختارون مهنتهم … بل إنّ المهنة تختارهم..! تختار بعضهم منذ الطفولة ..!!
كأنّ بذرة الإصغاء، وملاحظة التفاصيل الصغيرة، وقراءة الوجوه والنبرات، زُرعت في وقت مبكر جدًا… قبل أن يعرف الطفل أصلًا معنى أن يكون «معالجًا».
في بعض البيوت المضطربة، أو البيئات المشحونة، يتعلّم الطفل أن يراقب أكثر مما يتكلم؛
أن ينتبه إلى نبرة الصوت، وتغيّر ملامح الوجه، وطريقة إغلاق الباب، والصمت الذي يسبق الغضب.
لا يفعل ذلك حبًا في التحليل، بل بحثًا عن الأمان.
فيتعلم أن يستشعر التوتر قبل أن يُقال، يقرأ الحزن في العينين، يلاحظ التغير في المزاج، يحاول أن يفهم الآخرين حتى يعرف كيف يتصرف ويحمي نفسه.. قبل أن يتعلم مفهوم «التعاطف» أكاديميًا،
قد يكون قد مارس الانتباه للآخرين كآلية للبقاء. ومع مرور السنوات، قد تتحول بعض هذه الآليات إلى نقاط قوة:
الانتباه يصبح ملاحظة دقيقة، والحساسية تصبح قدرة على التقاط ما وراء الكلمات، والخبرة المبكرة مع المشاعر تصبح قدرة على الاحتواء والفهم.
لهذا، قد يشعر بعض الناس أمام المعالج بأنهم مفهومون بطريقة يصعب تفسيرها؛
كأنّه لا يسمع الكلمات فقط، بل ينتبه أيضًا لما يحدث خلفها ، ويسمع ما لا يقال..!
لكن هنا تكمن نقطة شديدة الأهمية:
ليس كل معالج جاء من جرح، وليس كل من عاش الألم يصبح معالجًا.
كما أن امتلاك حساسية عالية تجاه مشاعر الآخرين لا يعني بالضرورة أن الشخص مهيأ لممارسة العلاج النفسي.
فالمهنة لا تحتاج فقط إلى شخص «يفهم الناس»،، بل إلى شخص تعلّم أيضًا أن يفهم نفسه.
لأن الجرح، إذا بقي دون وعي، قد يدفع المعالج إلى إعادة تمثيل دوره القديم داخل غرفة العلاج..

المنقذ الذي يشعر أنه مسؤول عن الجميع،
المُرضي الذي يخشى خيبة الآخرين،
والحارس الذي يراقب مشاعر من حوله باستمرار.
هنا تصبح الرحلة الشخصية جزءًا مهمًا من التكوين المهني.
فالمعالج لا يحتاج إلى طفولة مثالية،
ولا إلى سيرة خالية من الألم،
بل يحتاج إلى أن يفحص تجربته، ويفهمها، ويعرف أين تنتهي قصته الشخصية وتبدأ قصة المعالَج
تماما كما توضح العبارة الشهيرة المنسوبة ل كارل يونغ : {الطبيب الجريح هو الأقدر على الشفاء.}
لكن قيمة الفكرة ليست في تمجيد الجرح،
بل في الوعي به.
فالجرح غير المفهوم قد يجعل المعالج يعالج الآخرين بحثًا عن قيمة لنفسه، أو محاولةً لإصلاح ماضٍ لم يُغلق.
أما الجرح الذي خضع للفهم والعمل النفسي، فقد يتحول إلى مصدر تعاطف ونضج… دون أن يصبح المعالج أسيرًا له.
وكما يؤكد إرفين يالوم في حديثه عن العلاج النفسي، فإن المعالج يستخدم ذاته كأداة أساسية في العملية العلاجية.
ولهذا، فالذات المهنية ليست مجرد شهادات وتقنيات واختبارات.. بل هي أيضًا إنسانية المعالج نفسها: قدرته على الوعي بذاته، تحمل مشاعره، فهم حدوده،
ومراجعة ما يثيره المعالَج داخله.
لهذا السبب، يمكن القول إن رحلة بعض المعالجين تبدأ مرتين:
●● مرةً في الطفولة، حين تعلّموا الإصغاء للآخرين كي يشعروا بالأمان…
●●مرةً في النضج، حين تعلّموا الإصغاء لأنفسهم، ثم للآخر، دون خوف أو حاجة إلى الإنقاذ.
الفرق ليس بين معالج جُرح ومعالج لم يُجرح.. بل بين معالج ما زال يحاول إصلاح جرحه من خلال الآخرين… ومعالج استطاع أن يفهم جرحه، ويتصالح معه، ثم يترك للآخر مساحة ليعيش قصته هو.
فالمعالج الحقيقي لا يعالج الآخرين لأنه وجد فيهم فرصة لإعادة كتابة ماضيه…
بل لأنه أصبح قادرًا على مرافقتهم دون أن يطلب منهم أن يحملوا ماضيه معه.
*في انتظار رأي زملائنا المهنيين من كوتشز، ممارسي مهن الدعم النفسي وأخصائيي العلاج النفسي لكم مني مودتي التي لا تشيخ

*
✍️writing by:Master Coach TaoufiQ El Meskine
التعليقات (0)