
تأثير المتفرج: الجهل الجمعي وتوزيع المسؤولية
تخيل أنك تتعرض لأزمة صحية طارئة؛ الموقف الأول يحدث في شارع مظلم لا يمر به سوى شخص واحد، والموقف الثاني يقع في حديقة عامة مشمسة تكتظ بعشرات المتنزهين. يقودنا المنطق البديهي والشعور الفطري إلى الجزم بأننا سنكون أكثر أمانا، وسنحظى بفرصة نجاة أكبر، في الموقف الثاني وسط الحشود. تقف الأبحاث السيكولوجية على النقيض من هذه القناعة الراسخة، وتطرح استنتاجا مغايرا لما يتوقعه الحدس، مفاده أن الكثرة البشرية قد تحمل في طياتها خطرا، وتتضاءل معها احتمالات تلقي المساعدة.
تعود الجذور الفكرية والبحثية لهذه الإشكالية إلى الدراسات التي أجراها العالمان النفسيان بيب لاتاني وجون دارلي في ستينيات القرن العشرين، حيث سعيا إلى تفسير أسباب امتناع بعض الأفراد عن تقديم المساعدة في المواقف الطارئة من منظور سيكولوجي. وانطلقت أبحاثهما من سؤال بسيط: لماذا تتراجع احتمالية تدخل الإنسان كلما ازداد عدد الحاضرين في موقع الحدث؟ قاد هذا التساؤل إلى سلسلة من التجارب التي كشفت عن دور العمليات النفسية داخل الجماعة في تشكيل سلوك الأفراد عند مواجهة حالات تستدعي التدخل.
ترتكز أطروحة لاتاني ودارلي على آليتين نفسيتين تعطلان دافع الإنقاذ لدى الأفراد عند تواجدهم ضمن حشود. تتمثل الآلية الأولى في مفهوم « الجهل الجمعي » (Pluralistic Ignorance)، وهو مفهوم ينشأ في المواقف التي تتسم بالغموض أو انعدام الوضوح الفوري حول طبيعة الخطر. يميل الفرد في مثل هذه السياقات إلى استراق النظر نحو ردود أفعال المحيطين به لاستنباط التقييم الصحيح للحدث. وعندما يلاحظ أن بقية المارة يقفون في حالة هدوء أو ترقب دون اتخاذ إجراء مباشر، فإنه يستنتج بشكل خاطئ أن الموقف لا يستدعي التدخل، مفترضا أن هدوء الآخرين يعكس إدراكهم لعدم وجود خطر حقيقي. يمكن تقريب هذه الآلية بمشهد قاعة المحاضرات عندما ينهي الأستاذ شرحه ويسأل الطلاب عما إذا كان لديهم أسئلة؛ يصمت الجميع، وينظر كل طالب إلى زملائه الهادئين، ويستنتج خاطئا أنه الوحيد الذي لم يفهم الدرس، فيسود الصمت بدوره.
أما الآلية الثانية فتتجسد في مفهوم « توزيع المسؤولية » (Diffusion of Responsibility)، وهو مفهوم يعالج المواقف واضحة الخطورة التي لا تحتمل التأويل. يرى لاتاني ودارلي أنه مع زيادة عدد الأشخاص الحاضرين في موقع الحادثة، ينخفض الشعور الفردي بالمسؤولية الأخلاقية والعملية تجاه الضحية. يشعر كل حاضر بأن العبء النفسي لعدم التدخل يتوزع على العدد الإجمالي للمتفرجين، وتسيطر على عقل كل فرد قناعة خفية بوجود أشخاص آخرين في الموقع أقدر منه على التدخل واستدعاء السلطات.
أخضع الباحثان هذه الفرضيات لتجارب معملية لاختبار مدى تأثير الحشود في الاستجابة الإنسانية. في إحدى الدراسات، أُدخل مشاركون إلى غرفة لتعبئة استبيانات، وبدأ دخان يتسرب إلى المكان من إحدى الفتحات. أظهرت النتائج أن 75% من المشاركين بادروا بالإبلاغ عن الدخان والإسراع نحو باب الخروج عندما كانوا بمفردهم داخل الغرفة، بينما تراجعت هذه النسبة إلى 38% فقط عندما كان المشارك يتواجد بصحبة شخصين آخرين داخل الغرفة نفسها.. تكرر النمط ذاته في تجربة أخرى استمع فيها المشاركون لصوت باحثة تتعثر وتسقط من أعلى السلم وتستغيث متألمة؛ استجاب 70% من المشاركين لتقديم العون عندما كانوا منفردين، وانخفضت الاستجابة إلى 40% فقط عند تواجد المشارك ضمن جماعات ثنائية. تشير هذه الأرقام إلى أن احتمالية المبادرة الفردية بتقديم الدعم ترتفع بمقدار يقارب 90% في الحالات التي يكون فيها الإنسان وحيدا مقارنة بوجوده ضمن حشد.
تكشف نتائج هذه الدراسات أن انخفاض احتمالية تقديم المساعدة لا يرتبط بالضرورة بضعف التعاطف أو تراجع القيم الأخلاقية لدى الأفراد. تشير تجارب لاتاني ودارلي إلى أن السياق الاجتماعي نفسه يؤدي دورا حاسما في تشكيل السلوك، فكلما ازداد عدد الحاضرين تراجع الشعور الفردي بالمسؤولية، وازداد ميل كل شخص إلى الاعتقاد بأن غيره سيتولى التدخل. وهكذا يتحول أفراد عاديون، بفعل ديناميكيات الجماعة، إلى متفرجين رغم امتلاكهم الرغبة في المساعدة.
تطرح الأبحاث السيكولوجية مسارا لتخفيف حالة الشلل الجماعي، يتلخص فيما أسماه الباحث كينث جيرجن بـ »تأثير التنوير ». تقوم هذه الفرضية على أن الإدراك المعرفي المسبق للآليات النفسية المعيقة، كالجهل الجمعي وتوزيع المسؤولية، يمنح الفرد قدرة أكبر على تجاوز هذا القصور السلوكي. أظهرت الدراسات أن الأفراد الذين تلقوا محاضرات علمية تفصيلية حول أسباب امتناع المارة عن تقديم المساعدة أصبحوا أقدر على تجاوز هذه الحواجز النفسية بنسبة تجاوزت 43%، وتدخلوا لإنقاذ شخص يواجه أزمة في مكان عام، مقارنة بنسبة لم تتجاوز 25% بين الأفراد الذين لم يطلعوا على هذه المعلومات. تشير هذه المخرجات إلى أن فهم طبيعة التحيزات النفسية قد يسهم في تحييد أثرها، وأن الأمان الحقيقي للضحايا لا يكمن بالضرورة في كثرة المارة، بل قد يتصل بمدى الوعي السيكولوجي بهذه الظاهرة.
ليلينفيلد، سكوت أو.، لين، ستيفن جاي، روشيو، جون، وبايرستاين، باري إل. أشهر 50 خرافة في علم النفس: هدم الأفكار الخاطئة الشائعة حول سلوك الإنسان. إيمان أحمد عزب ومحمد رمضان داود، مؤسسة هنداوي، 2012
لبقى السؤال الأهم:
ما أثر وسائل التواصل الاجتماعي والبث المباشر في إعادة تشكيل تأثير المتفرج،، وهل تنتقل آليات الجهل الجمعي وتوزيع المسؤولية إلى البيئات الرقمية؟؟


التعليقات (0)